تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المباحث الأصولية — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
القول الثاني : أنّ حسن العدل وقبح الظلم ليس من المدركات الأوّلية لا للعقل ولا للحس ولا للوهم ، وإنّما يحصل التصديق الجازم بهما نتيجة التأديب والتربية الاجتماعية العقلائية ، ومن هنا قال ابن سينا بأنّ الإنسان لو خلق فريداً وحيداً لما أدرك بعقله حسن العدل وقبح الظلم . وفيه أنّ هذا القول غريب جدّاً ، إذ كيف يمكن إنكار ما هو مدرك بالوجدان ، وقد مرّ أنّ قضية الحسن والقبح من القضايا الفطرية الأوّلية ، والمعيار في أوّلية القضية ما كان ثبوت المحمول للموضوع ضرورياً كما في قضية الأربعة زوج ، فإنّها قضية أوّلية مضمونة الحقّانية ، وهذا المعيار ينطبق على قضيتي حسن العدل وقبح الظلم ، فإنّ ثبوت الحسن للعدل ضروري مضمون الحقّاني وثبوت القبح للظلم كذلك ، ومن هنا يكفي مجرد إدراك الطرفين والنسبة بينهما للتصديق الجزمي بهما ، ضرورة أنّ الإنسان إذا تصوّر العدل وتصوّر الحسن والنسبة بينهما ، حصل له الجزم بثبوت الحسن للعدل ، وكذلك إذا تصوّر الظلم وتصوّر القبح والنسبة بينهما ، تيقّن بشكل قاطع بثبوت القبح له ، وهذا هو المعيار في أوّلية القضية . إلى هنا قد تبيّن أنّ الصحيح هو كون الحسن والقبح أمران واقعيان ثابتان في لوح الواقع ويدركهما العقل العملي بالفطرة والوجدان ، فكونهما من أحكام العقل العملي ، فإنّما هو بلحاظ ارتباطهما بالعمل واقتضائهما جرياً عملياً على طبقهما بشكل مباشر ، فإنّ معنى حسن فعل هو أنّه ينبغي صدوره في الخارج ، ومعنى قبح فعل هو أنّه لا ينبغي صدوره فيه ، فمن أجل ذلك يكونا من أحكام العقل العملي لا أنّهما كالأحكام الشرعية المجعولة في الشريعة المقدّسة ، فإذن يفترق المدرك للعقل العملي عن المدرك للعقل النظري في نقطة وتشترك معه في نقطة أُخرى ، أمّا نقطة الافتراق فلأنّ المدرك للعقل العملي يقتضي بطبعه