تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المباحث الأصولية — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
من القضايا الفطرية الوجدانية ولا يتوقّف على وجود عقلاء على الأرض ، ومن هنا ذكر السيد الأُستاذ ( قدس سره ) إنّهما لو كانا من القضايا المجعولة من قبل العقلاء ، فمعناه أنّ العاقل الأول قبل وجود العقلاء وتشريعاتهم لا يدرك قبح الظلم وحسن العدل ، باعتبار أنّه لا قبح ولا حسن حتّى يدركهما وهو كما ترى ، بداهة أنّه أمر فطري وجداني فلا يمكن أن يتأثّر بجهات خارجية ، ولهذا يدرك فطرة أنّ سلب ذي الحقّ عن حقّه ظلم وقبيح كان هناك عقلاء أم لا ولا يمكن أن يكون هذا الادراك متأثّر بوجود العقلاء وتشريعاتهم ، ومن هنا يدرك ذلك الصبي الذي لم ينضج عقله بعد ، فالنتيجة أنّ قضايا الحسن والقبح العقليين من القضايا الواقعية الفطرية الموجودة في لوح الواقع وراء موقف العقلاء لا أنّها من القضايا الانشائية للعقلاء ، فلا واقع لها ما عدا انشائها وجعلها . وأمّا الاشكال على أنّه من أين يعرف حال العاقل الأول وأنّه يدرك حسن العدل وقبح الظلم أولا ، فلعل إحساسنا بهذا الوجدان من تأثير بناء العقلاء فهو غريب جدّاً ، لأنّ إدراك ذلك أمر وجداني فطري ولا يمكن أن يتأثّر بعامل خارجي ، لأنّ الفطرة لا تتبدّل ولا تتغيّر بتغيّر الزمان وتبدّله لأنّها ذاتية ، وأمّا برهاناً فلأن هذه النظرية تبتني على أنّ قضية الحسن والقبح ترتبط بالمصالح والمفاسد الواقعية ، فإنّ العقلاء لمّا أدركوا مصلحة في فعل أو مفسدة في آخر ، حكموا بحسن الأول وقبح الآخر فيكون الحسن والقبح تابعين للمصلحة والمفسدة كالوجوب والحرمة شرعاً ، ولكن هذا الارتباط خلاف الوجدان ، إذ مضافاً إلى أنّه لا طريق للعقلاء إلى إدراك مصالح الأشياء ومفاسدها ، أنّه في كثير من موارد الحسن والقبح لا مصلحة في فعل ولا مفسدة في آخر ، ولهذا يحكم العقل بقبح التجري مع أنّه لا مفسدة في الفعل المتجرّي به ، ويحكم بحسن الانقياد مع أنّه لا مصلحة في الفعل المنقاد به ، وهذا يبرهن على أنّ باب الحسن والقبح
المباحث الأصولية — صفحة 160 | الشيخ محمد إسحاق الفياض