تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 687

مساهمون:

ص٦٨٧
القسم فاشتمال الكبد على خلق الإنسان وإحاطة الكدّ والتعب به في جميع شؤون حياته مما لا يخفى على ذي لب فليس يقصد نعمة من نعم الدنيا إلا خالصة في طيبها محضة في هنائها ولا ينال شيئا منها إلا مشوبة بما ينغص العيش مقرونة بمقاساة ومكابدة مضافا إلى ما يصيبه من نوائب الدهر ويفاجئه من طوارق الحدثان . قوله تعالى :
أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ
بمنزلة النتيجة لحجة الآية السابقة تقريرها أن الإنسان لما كانت خلقته مبنية على كبد مظروفة له لا ينال قط شيئا مما يريد إلا دون ما يريد أو غير ما يريد فهو محاط في خلقه مغلوب في إرادته مقهور فيما قدر له من الأمر والذي يغلبه في إرادته ويقهره على التلبس بما قدر له وهو اللّه سبحانه يقدر عليه من كل جهة فله أن يتصرف فيه بما شاء ويأخذه إذا أراد . فليس للإنسان أن يحسب أن لن يقدر عليه أحد فيدعوه ذلك إلى أن يعلو على اللّه ويستكبر عن عبادته أو يعطيه في بعض ما أمر به كالإنفاق في سبيله فيستكثره ويمتن به على اللّه أو يمكر به تعالى بعد ما عمله رياء وسمعة عملا لوجه الكريم فيقول : أهلكت مالا لبدا . قوله تعالى :
يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً
اللبد الكثير ، سياق الآية وما يتلوها من الآيات إلى آخر السورة مشعر بأنه كان هناك بعض من أظهر الإسلام أو مال اليه فقد أنفق بعض ماله وامتن به مستكثرا له بقوله :
« أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً »
فنزلت الآيات ورد اللّه عليه بأن الفوز بميمنة الحياة لا يتم إلا باقتحام عقبة الإنفاق في سبيل اللّه والدخول في زمرة الذين آمنوا وتواصوا بالصبر والمرحمة ، ويتأيد به ما سيأتي في البحث الروائي إن شاء اللّه تعالى . قوله تعالى :
أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ
إنكار لما هو لازم قول الإنسان
« أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً »
على طريق التكنية ومحصل المعنى أن لازم إخبار الإنسان بإهلاكه مالا لبدا أنه يحسب أنا في غفلة وجهل بما أنفق وقد أخطأ في ذلك فاللّه سبحانه بصير بما أنفق لكن هذا المقدار لا يكفي في الفوز بميمنة الحياة بل لا بد له من أن يتحمل ما هو أزيد من ذلك من مشاق
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 687 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي