يحتاج في فعل الأكل إلى وضع الغذاء فيه فتوصل إلى ذلك باليد وتمم عملها بالكف وعملها بالأصابع على اختلاف منافعها وعملها بالأنامل ، وتحتاج اليد في الأخذ والوضع إلى الانتقال المكاني نحو الغذاء وعدل ذلك بالرجل .
وعلى هذا القياس في أعمال سائر الجوارح والقوى وهي ألوف وألوف لا يحصيها العد ، والكل من تدبيره تعالى وهو المفيض لها من غير أن يريد بذلك انتفاعا لنفسه ومن غير أن يمنعه من إفاضتها ما يقابله به الانسان من نسيان الشكر وكفران النعمة فهو تعالى ربه الكريم .
وقوله :
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
بيان لقوله :
« فَعَدَلَكَ »
ولذا لم يعطف على ما تقدمه والصورة ما ينتقش به الأعيان ويتميز به الشيء من غيره و
« ما »
زائدة للتأكيد .
والمعنى : في أي صورة شاء أن يركّبك - ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة - ركبك من ذكر وأنثى وأبيض وأسود وطويل وقصير ووسيم ودميم وقوي وضعيف إلى غير ذلك وكذا الأعضاء المشتركة بين أفراد الإنسان المميزة لها من غيرها كاليدين والرجلين والعينين والرأس والبدن واستواء القامة ونحوها فكل ذلك من عدل بعض الأجزاء ببعض في التركيب قال تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
( التين / 4 ) والجميع ينتهي إلى تدبير الرب الكريم لا صنع للانسان في شيء من ذلك .
قوله تعالى :
كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ
« كَلَّا »
ردع عن اغترار الانسان بكرم اللّه وجعل ذلك ذريعة إلى الكفر والمعصية أي لا تغتروا فلا ينفعكم الاغترار .
وقوله :
بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ
أي بالجزاء . إضراب عمّا يفهم من قوله :
« ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ »
من غرور الانسان بربه الكريم على اعتراف منه ولو بالقوة بالجزاء لقضاء الفطرة السليمة به .
فإذ عاتب الإنسان ووبخه على غروره بربه الكريم واجترائه على الكفران والمعصية من غير أن يخاف الجزاء أضرب عنه مخاطبا للانسان وكل من يشاركه في كفره ومعصيته فقال : بل