تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 623

مساهمون:

ص٦٢٣
وقد علّق الغرور بصفتي ربوبيته وكرمه تعالى ليكون ذلك حجة في توجه العتاب والتوبيخ فإن تمرد المربوب وتوغله في معصية ربه الذي يدبر أمره ويغشيه نعمه ظاهرة وباطنة كفران لا ترتاب الفطرة السليمة في قبحه ولا في استحقاق العقاب عليه وخاصة إذا كان الرب المنعم كريما لا يريد في نعمه وعطاياه نفعا ينتفع به ولا عضوا يقابله به المنعم عليه ، ويسامح في إحسانه ويصفح عما يأتي به المربوب من الخطيئة والإثم بجهالة فإن الكفران حينئذ أقبح وأقبح وتوجه الذم واللائمة أشد وأوضح . فقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
استفهام توبيخي يوبخ الإنسان بكفران خاص لا عذر له يعتذر به عنه وهو كفران نعمة رب كريم . وليس للانسان أن يجيب فيقول : أي رب غرني كرمك فقد قضى اللّه سبحانه فيما قضى وبلغه بلسان أنبيائه
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
( إبراهيم / 7 ) ، وقال :
فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى
( النازعات / 39 ) ، إلى غير ذلك من الآيات الناصة في أن لا مخلص للمعاندين من العذاب وأن الكرم لا يشملهم يوم القيامة قال :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
( الأعراف / 156 ) . ولو كفى الانسان العاصي قوله : « غرني كرمك » لصرف العذاب عن الكافر المعاند كما يصرفه عن المؤمن العاصي ، ولا عذر بعد البيان . وقوله :
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
بيان لربوبيته المتلبسة بالكرم فإن من تدبيره خلق الانسان بجمع أجزاء وجوده ثم تسويته بوضع كل عضو فيما يناسبه من الموضع على ما يقتضيه الحكمة ثم عدله بعدل بعض أعضائه وقواه ببعض بجعل التوازن والتعادل بينها فما يضعف عنه عضو يقوى عليه عضو فيتم به فعله كما أن الأكل مثلا بالالتقام وهو للفم ، ويضعف الفم عن قطع اللقمة ونهشها وطحنها فيتم ذلك بمختلف الأسنان ، ويحتاج ذلك إلى نقل اللقمة من جانب من الفم إلى آخر وقلبها من حال إلى حال فجعل ذلك للسان ثم الفم