وقوله :
فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ
أي ان كانت لكم حيلة تحتالون بي في دفع عذابي عن أنفسكم فاحتالوا ، وهذا خطاب تعجيزي منبئ عن انسلاب القوة والقدرة عنهم يومئذ بالكلية بظهور أن لا قوة الا للّه عز اسمه قال تعالى :
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ
( البقرة / 166 ) .
والآية أعني قوله :
« فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ »
أوسع مدلولا من قوله :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ
( الرحمن / 33 ) لاختصاصه بنفي القدرة على الفرار بخلاف الآية التي نحن فيها .
وفي قوله :
فَكِيدُونِ
التفات من التكلم مع الغير إلى التكلم وحده والنكتة فيه أن متعلق هذا الأمر التعجيزيّ إنما هو الكيد لمن له القوة والقدرة فحسب وهو اللّه وحده ولو قيل :
فكيدونا فات الإشعار بالتوحّد .
قوله تعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ
- إلى قوله -
الْمُحْسِنِينَ
الظلال والعيون ظلال الجنة وعيونها التي يتنعمون بالاستظلال بها وشربها ، والفواكه جمع فاكهة وهي الثمرة .
وقوله :
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
مفاده الإذن والإباحة ، وكأن الأكل والشرب كناية عن مطلق التنعم بنعم الجنة والتصرف فيها وإن لم يكن بالأكل والشرب ، وهو شائع كما يطلق أكل المال على مطلق التصرف فيه .
وقوله :
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
تسجيل لسعادتهم .
قوله تعالى :
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ
الخطاب من قبيل قولهم : افعل ما شئت فإنه لا ينفعك ، وهذا النوع من الأمر إياس للمخاطب أن ينتفع بما يأتي به من الفعل للحصول على ما يريده ، ومنه قوله :
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا