لجزم .
والمعنى قد أهلكنا المكذبين من الأمم الأولين ثم إنا نهلك الأمم الآخرين على إثرهم .
وقوله :
كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
في موضع التعليل لما تقدمه ولذا أورد بالفصل من غير عطف كأن قائلا قال : لما أهلكوا ؟ فقيل : كذلك نفعل بالمجرمين . والآيات - كما ترى - إنذار وإرجاع للبيان إلى الأصل المضروب في السورة أعني قوله :
« وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ »
وهي بعينها حجة على توحد الربوبية فإن إهلاك المجرمين من الانسان تصرف في العالم الانساني وتدبير ، وإذا ليس المهلك إلا اللّه - وقد اعترف به المشركون - فهو الرب لا رب سواه ولا إله غيره .
على أنها تدل على وجود يوم الفصل لأن إهلاك قوم لإجرامهم لا يتم إلا بعد توجه تكليف إليهم يعصونه ولا معنى للتكليف إلا مع مجازاة المطيع بالثواب والعاصي بالعقاب فهناك يوم يفصل فيه القضاء فيثاب فيه المطيع ويعاقب فيه العاصي وليس هو الثواب والعقاب الدنيويين لأنهما لا يستوعبان في هذه الدار فهناك يوم يجازى فيه كل بما عمل ، وهو يوم الفصل ذلك يوم مجموع له الناس .
قوله تعالى :
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
- إلى قوله -
فَنِعْمَ الْقادِرُونَ
الاستفهام للإنكار ، والماء المهين الحقير قليل الغناء والمراد به النطفة ، والمراد بالقرار المكين الرحم وبقوله :
« قَدَرٍ مَعْلُومٍ »
مدة الحمل .
وقوله :
فَقَدَرْنا
من القدر بمعنى التقدير ، والفاء لتفريع القدر على الخلق أي خلقناكم فقدرنا ما سيجري عليكم من الحوادث وما يستقبلكم من الأوصاف والأحوال من طول العمر وقصره وهيئة وجمال وصحة ومرض ورزق إلى غير ذلك .
والمعنى : قد خلقناكم من ماء حقير هو النطفة فجعلنا ذلك الماء في قرار مكين هي الرحم إلى مدة معلومة هي مدة الحمل فقدّرنا جميع ما يتعلق بوجودكم من الحوادث والصفات