الحياة ألقى الخطاب في صورة الغيبة وعلّقه بنفس ما منكّرة فقال :
« وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ »
وفي هذا النوع من الخطاب مع كون التكليف عاما بحسب الطبع عتاب وتقريع للمؤمنين مع التلويح إلى قلة من يصلح لامتثاله منهم .
وقوله :
ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ
استفهام من ماهية العمل الذي قدّمت لغد وبيان للنظر ، ويمكن أن تكون
« ما »
موصولة وهي وصلتها متعلقا بالنظر .
والمراد بغد يوم القيامة وهو يوم حساب الأعمال وإنما عبّر عنه بغد للإشارة إلى قربه منهم كقرب الغد من أمسه ، قال تعالى :
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً
( المعارج / 7 ) .
والمعنى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه بطاعته في جميع ما يأمركم به وينهاكم عنه ، ولتنظر نفس منكم فيما عملته من عمل ولتر ما الذي قدمته من عملها ليوم الحساب أهو عمل صالح أو طالح وهل عملها الصالح صالح مقبول أو مردود .
وقوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
أمر بالتقوى ثانيا و
« إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ »
الخ ؛ تعليل له وتعليل هذه التقوى بكونه تعالى خبيرا بالأعمال يعطي أن المراد بهذه التقوى المأمور بها ثانيا هي التقوى في مقام المحاسبة والنظر فيها من حيث إصلاحها وإخلاصها للّه سبحانه وحفظها عما يفسدها ، وأما قوله في صدر الآية :
« اتَّقُوا اللَّهَ »
فالمراد به التقوى في أصل إتيان الأعمال بقصرها في الطاعات وتجنّب المعاصي .
ومن هنا تبيّن أن المراد بالتقوى في الموضعين مختلف فالأولى هي التقوى في أصل إتيان الأعمال ، والثانية هي التقوى في الأعمال المأتيّة من حيث إصلاحها وإخلاصها .
وظهر أيضا أن قول بعضهم : إن الأولى للتوبة عما مضى من الذنوب والثانية لاتقاء المعاصي في المستقبل غير سديد ومثله ما قيل : إن الأولى في أداء الواجبات والثانية في ترك المحرمات ، ومثله ما قيل : إن الأمر الثاني لتأكيد الأمر الأول فحسب .
قوله تعالى :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
الخ ؛ النسيان