تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
زوال صورة المعلوم عن النفس بعد حصولها فيها مع زوال مبدئه ويتوسع فيه مطلق على مطلق الإعراض عن الشيء بعدم ترتيب الأثر عليه قال تعالى :
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ
( الجاثية / 34 ) . والآية بحسب لب معناها كالتأكيد لمضمون الآية السابقة كأنه قيل : قدموا ليوم الحساب والجزاء عملا صالحا تحيى به أنفسكم ولا تنسوه . ثم لما كان سبب نسيان النفس نسيان اللّه تعالى إذ بنسيانه تعالى تنسى أسماؤه الحسنى وصفاته العليا التي ترتبط بها صفات الإنسان الذاتية من الذلة والفقر والحاجة فيتوهم الإنسان نفسه مستقلة في الوجود ويخيل اليه أن له لنفسه حياة وقدرة وعلما وسائر ما يتراءى له من الكمال ، ونظراؤه في الاستقلال سائر الأسباب الكونية الظاهرية تؤثر فيه وتتأثر عنه . وعند ذلك يعتمد على نفسه وكان عليه أن يعتمد على ربه ويرجو ويخاف الأسباب الظاهرية وكان عليه أن يرجو ويخاف ربه ، يطمئن إلى غير ربه وكان عليه أن يطمئن إلى ربه . وبالجملة ينسى ربه والرجوع اليه ويعرض عنه بالإقبال إلى غيره ، ويتفرع عليه أن ينسى نفسه فإن الذي يخيل اليه من نفسه أنه موجود مستقل الوجود يملك ما ظهر فيه من كمالات الوجود واليه تدبير أمره مستمدا مما حوله من الأسباب الكونية وليس هذا هو الإنسان بل الإنسان موجود متعلق الوجود جهل كله عجز كله ذلة كله فقر كله وهكذا ، وما له من الكمال كالوجود والعلم والقدرة والعزة والغنى وهكذا فلربه وإلى ربه انتهاؤه ونظراؤه في ذلك سائر الأسباب الكونية . والحاصل لما كان سبب نسيان النفس نسيان اللّه تعالى حول النهي عن نسيان النفس في الآية إلى النهي عن نسيانه تعالى لأن انقطاع المسبب بانقطاع سببه أبلغ وآكد ، ولم يقنع بمجرد النهي الكلي عن نسيانه بأن يقال : ولا تنسوا اللّه فينسيكم أنفسكم بل جرى بمثل إعطاء الحكم بالمثال ليكون أبلغ في التأثير وأقرب إلى القبول فناهم أن يكونوا كالذين نسوا اللّه