والمثل على أي حال مثل لبني النضير لا للمنافقين على ما يعطيه السياق .
قوله تعالى :
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ
الخ ؛ ظاهر السياق أنه مثل للمنافقين في غرورهم بني النضير بوعد النصر ثم خذلانهم عند الحاجة .
وظاهر السياق يفيد أن المراد بالشيطان والإنسان الجنس والإشارة إلى غرور الشيطان للإنسان بدعوته إلى الكفر بتزيين أمتعة الحياة له وتسويل الإعراض عن الحق بمواعيد الكاذبة والأماني السرابية حتى إذا طلعت له طلائع الآخرة وعاين أن ما اغتر به من أماني الحياة الدنيا لم يكن إلّا سرابا يغره وخيالا يلعب به تبرأ منه الشيطان ولم يف بما وعده وقال :
إني بريء منك إني أخاف اللّه رب العالمين .
وبالجملة مثل المنافقين في دعوتهم بني النضير إلى مخالفة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ووعدهم النصر ثم الغدر بهم وخلف الوعد كمثل هذا الشيطان في دعوة الإنسان إلى الكفر بمواعيده الكاذبة ثم تبريه منه بعد الكفر عند الحاجة .
وقيل : المراد بالتمثيل الإشارة إلى قصة برصيصا العابد الذي زين له الشيطان الفجور ففجر بامرأة ثم كفر وسيأتي القصة في البحث الروائي التالي إن شاء اللّه .
وقيل : المثل السابق المذكور في قوله :
« كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً »
مثل كفار مكة يوم بدر - كما تقدم - والمراد بالإنسان في هذا المثل أبو جهل وبقول الشيطان له أكفر ما قصه اللّه تعالى بقوله في القصة :
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
( الأنفال / 48 ) .
وعلى هذا الوجه فقول الشيطان
« إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ »
قول جدي لأنه كان يخاف تعذيب الملائكة النازلين لنصرة المؤمنين ببدر وأما على الوجهين الأولين فهو نوع من