والنار التي يصطلون بها ويتوسلون بها إلى جمل من مآربهم ، وتثبت بذلك ربوبيته لهم فليست الربوبية إلّا التدبير عن ملك .
فقال :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ
الحرث العمل في الأرض وإلقاء البذر عليها
« أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ »
أي تنبتونه وتنمونه حتى يبلغ الغاية ، وضمير
« تَزْرَعُونَهُ »
للبذر أو الحرث المعلوم من المقام
« أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ »
المنبتون المنمون حتى يكمل زرعا
« لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً »
أي هشيما متكسرا متفتتا
« فَظَلْتُمْ »
أي فظللتم وصرتم
« تَفَكَّهُونَ »
أي تتعجبون مما أصيب به زرعكم وتتحدثون بما جرى قائلين
« إِنَّا لَمُغْرَمُونَ »
موقعون في الغرامة والخسارة ذهب مالنا وضاع وقتنا وخاب سعينا
« بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ »
ممنوعون من الرزق والخير .
ولا منافاة بين نفي الزرع عنهم ونسبته اليه تعالى وبين توسّط عوامل وأسباب طبيعية في نبات الزرع ونموّه فإن الكلام عائد في تأثير هذه الأسباب وصنعها ، وليس نحو تأثيرها باقتضاء من ذاتها منقطعة عنه تعالى بل بجعله ووضعه وموهبته ، وكذا الكلام في أسباب هذه الأسباب ، وينتهي الأمر إلى اللّه سبحانه وأن إلى ربك المنتهى .
قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ
- إلى قوله -
فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ
المزن السحاب ، وقوله :
« فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ »
تحضيض على الشكر ، وشكره تعالى جميل ذكره تعالى على نعمه وهو إظهار عبوديته قولا وعملا . والباقي ظاهر .
قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ
- إلى قوله -
وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
قال في المجمع : الإيراء إظهار النار بالقدح ، يقال : أورى يوري ، قال : ويقال : قدح فأورى إذا أظهر فإذا لم يور يقال : قدح فأكبى ، وقال : والمقوي النازل بالقواء من الأرض ليس بها أحد ، وأقوت الدار خلت من أهلها . انتهى . والمعنى ظاهر .
قوله تعالى :
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . لما ذكر سبحانه شواهد ربوبيته لهم وأنه الذي يخلقهم ويدبر أمرهم ومن تدبيره أنه سيبعثهم ويجزيهم بأعمالهم