تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
قوله تعالى :
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
تدبير أمر الخلق بجميع شؤونه وخصوصياته من لوازم الخلق بمعنى إفاضة الوجود فوجود الإنسان المحدود بأول كينونته إلى آخر لحظة من حياته الدنيا بجميع خصوصياته التي تتحول عليه بتقدير من خالقه عزّ وجل . فموته أيضا كحياته بتقدير منه ، وليس يعتريه الموت لنقص من قدرة خالقه أن يخلقه بحيث لا يعتريه الموت أو من جهة أسباب وعوامل تؤثر فيه بالموت فتبطل الحياة التي أفاضها عليه خالقه تعالى فإن لازم ذلك أن تكون قدرته تعالى محدودة ناقصة وأن يعجزه بعض الأسباب وتغلب إرادته إرادته وهو محال كيف ؟ والقدرة مطلقة والإرادة غير مغلوبة . قوله تعالى :
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
« عَلى »
متعلقة بقوله :
« قَدَّرْنا »
وجملة الجار والمجرور في موضع الحال أي نحن قدرنا بينكم الموت حال كونه على أساس تبديل الأمثال والإنشاء فيما لا تعلمون . والأمثال جمع مثل بالكسر فالسكون ومثل الشيء ما يتحد معه في نوعه كالفرد من الإنسان بالنسبة إلى فرد آخر ، والمراد بقوله :
« أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ »
أن نبدل أمثالكم من البشر منكم أو نبدل أمثالكم مكانكم ، والمعنى على أي حال تبديل جماعة من أخرى وجعل الأخلاف مكان الأسلاف . وقوله :
وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
« ما »
موصولة والمراد به الخلق والجملة معطوفة على
« نُبَدِّلَ »
والتقدير وعلى أن ننشئكم ونوجدكم في خلق آخر لا تعلمونه وهو الوجود الأخروي غير الوجود الدنيوي الفاني . ومحصل معنى الآيتين أن الموت بينكم إنما هو بتقدير منا لا لنقص في قدرتنا بأن لا يتيسر لنا إدامة حياتكم ولا لغلبة الأسباب المهلكة المبيدة وقهرها وتعجيزها لنا في حفظ حياتكم وإنما قدرناه بينكم على أساس تبديل الأمثال وإذهاب قوم والإتيان بآخرين وإنشاء خلق