تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
لكم يناسب الحياة الآخرة وراء الخلق الدنيوي الداثر فالموت انتقال من دار إلى دار وتبدّل خلق إلى خلق آخر وليس بانعدام وفناء . قوله تعالى :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ
المراد بالنشأة الأولى نشأة الدنيا ، والعلم بها بخصوصياتها يستلزم الإذعان بنشأة أخرى خالدة فيها الجزاء ، فإن من المعلوم من النظام الكوني أن لا لغو ولا باطل في الوجود فلهذا النشأة الفانية غاية باقية ، وأيضا من ضروريات هذا النظام هداية كل شيء إلى سعادة نوعه وهداية الإنسان تحتاج إلى بعث الرسل وتشريع الشرائع وتوجيه الأمر والنهي ، والجزاء على خير الأعمال وشرّها وليس في الدنيا فهو في دار أخرى وهي النشأة الآخرة « 1 » . على أنهم شاهدوا النشأة الأولى وعرفوها وعلموا أن الذي أوجدها عن كتم العدم هو اللّه سبحانه وإذ قدر عليها أولا فهو على إيجاد مثلها ثانيا قادر ، قال تعالى :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
( يس / 79 ) ، وهذا برهان على الإمكان يرتفع به استبعادهم للبعث . وبالجملة يحصل لهم بالعلم بالنشأة الأولى علم بمبادئ البرهان على إمكان البعث فيرتفع به استبعاد البحث فلا استبعاد مع الإمكان . وهذا - كما ترى - وبرهان على إمكان حشر الأجساد ، محصله أن البدن المحشور مثل البدن الدنيوي وإذ جاز صنع البدن الدنيوي وإحياؤه فليجز صنع البدن الأخروي وإحياؤه لأنه مثله وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد . قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ
- إلى قوله -
مَحْرُومُونَ
بعد ما ذكّرهم بكيفية خلق أنفسهم وتقدير الموت بينهم تمهيدا للبعث والجزاء وكل ذلك من لوازم ربوبيّته عدّ لهم أمورا ثلاثة من أهم ما يعيشون به في الدنيا وهي الزرع الذي يقتاتون به والماء الذي يشربونه
هامش
( 1 ) . الآية 27 و 28 من سورة ص .
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 189 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي