تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
من خشب وحديد وسائر أجزائها التي تتركب منها والإنسان الذي يركّبها وشعوره وفكره وإرادته كل ذلك مخلوق له ومملوك فما ينتجه عملها من ملكه . فهو تعالى المنعم بها للانسان ألهمه طريق صنعها والمنافع المترتبة عليها وسبيل الانتفاع بمنافعها الجمّة . قوله تعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
ضمير
« عَلَيْها »
للأرض أي كل ذي شعور وعقل على الأرض سيفنى وفيه تسجيل الزوال والدثور على الثقلين . وإنما أتى باللفظ الدال على أولي العقل - كل من عليها - ولم يقل : كل من عليها كذلك لأن الكلام مسرود في السورة لتعداد نعمه وآلائه تعالى للثقلين في نشأتيهم الدنيا والآخرة . وظهور قوله :
فانٍ
في الاستقبال كما يستفاد أيضا من السياق يعطي أن قوله :
« كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ »
يشير إلى انقطاع أمد النشأة الدنيا وارتفاع حكمها بفناء من عليها وهم الثقلان وطلوع النشأة الأخرى عليهم ، وكلاهما أعني فناء من عليها وطلوع نشأة الجزاء عليهم من النعم والآلاء لأن الحياة الدنيا حياة مقدمية لغرض الآخرة والانتقال من المقدمة إلى الغرض والغاية نعمة . وبذلك يندفع قول من قال : أي نعمة في الفناء حتى يجعل من النعم ويعد من الآلاء . ومحصل الجواب أن حقيقة هذا الفناء الرجوع إلى اللّه بالانتقال من الدنيا كما تفسره آيات كثيرة في كلامه تعالى وليس هو الفناء المطلق . وقوله :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
وجه الشيء ما يستقبل به غيره ويقصده به غيره ، وهو فيه سبحانه صفاته الكريمة التي تتوسط بينه وبين خلقه فتنزل بها عليهم البركات من خلق وتدبير كالعلم والقدرة والسمع والبصر والرحمة والمغفرة والرزق وقد تقدم في تفسير سورة الأعراف كلام مبسوط في كون أسمائه وصفاته تعالى وسائط بينه وبين خلقه .