هامش
في حجية كل واحدة من الفتاوى تعيينا بنحو العام الاستغراقي ، لكن لا بد من صرفها في تعارض الفتويين إلى الحجية التخييرية
بقرينتين خارجية وعقلية .
أما الخارجية فهي كثرة الاختلاف في الفتاوى مع التفاوت في العلم والفضيلة ، وندرة الاتفاق بين جمع كثير من المجتهدين في الفتوى ،
حيث إنه مع هذه الكثرة من الاختلاف في الفتوى لم يقيد الأئمة المعصومون ( عليهم الصلاة والسلام ) حجية قول الفقيه بعدم مخالفته
لفتوى غيره من الفقهاء . فهذه قرينة قطعية على إطلاق أدلة التقليد الذي مقتضاه حجية فتوى كل من الفاضل والمفضول سواء أكانتا
متوافقتين أم متخالفتين ، وسواء علم بتوافقهما وتخالفهما أم لا ، وسواء علم بتساوي المجتهدين في العلم أم لا ، فإن الاطلاق المزبور
يقتضي هذا التعميم .
وأما القرينة العقلية ، فهي : أن القاعدة في الدليلين المتعارضين تقتضي الجمع بينهما مهما أمكن ، وعدم طرحهما رأسا ، وهذا الجمع ينتج
التخيير بينهما .
توضيحه : أنه إذا ورد دليل على وجوب القصر في المسافة التلفيقية وإن كان الذهاب أقل من أربعة فراسخ ، ودليل آخر على وجوب
الاتمام فيها ، فلا سبيل إلى طرح كليهما ، والحكم بعدم وجوب شئ من صلاتي التمام والقصر ، بل لا بد من الاخذ بأحدهما تخييرا بأن
يقيد إطلاق كل من الدليلين بالآخر ، فيقال : يجب إتمام الصلاة إلا مع الاتيان بالصلاة المقصورة ، وكذا تجب المقصورة إلا مع الاتيان
بالتامة ، فالنتيجة الوجوب التخييري بينهما .
وبالجملة : فمع إمكان الجمع بين المتعارضين بتقييد الاطلاق فيهما لا وجه لطرحهما ، ففي المقام يقيد إطلاق حجية فتوى كل من الفاضل
والمفضول ، ويقال : إن فتوى كل منهما حجة في ظرف عدم الاخذ بالأخرى ، ففتوى المفضول حجة في ظرف عدم الاخذ بفتوى الأفضل ،
وبالعكس ، وهذا معنى التخيير ، هذا .
وأنت خبير بما في كلتا القرينتين .
إذ في الأولى أولا : منع غلبة الاختلاف في الفتوى بين المفتين في تلك الاعصار مع تمكنهم من الرجوع إلى الأئمة المعصومين صلوات الله
عليهم أجمعين ) ، وأخذ الاحكام ومداركها منهم ( عليهم السلام ) . وغلبة الاختلاف في الفتاوي إنما حدثت في الأعصار المتأخرة عن
زمانهم عليهم السلام ، لضياع جملة من كتب الحديث ، وغيره من الحوادث . وعليه فإطلاقات حجية الفتاوى لا تشمل