هامش
أقول : لا ريب في بناء العقلاء على مراجعة الخبير المتجزي في
الجملة ، وتقديم قوله - في ظرف المخالفة - على قول من له إحاطة
بأبواب
أخرى من الفن ، ومثاله المعروف هو الطبيب الأخصائي بالقياس إلى
العالم بالطبابة العامة ، إذ لا شك في تقديم رأي الأول على الثاني
عند المعارضة . لكن التنظير به لما نحن فيه من مساواة قول المتجزي
للمجتهد المطلق أو تقديم قوله عليه لا يخلو من شئ ، إذ مورد
البحث في المقام وجود مجتهدين مثلا أحدهما متجز في باب القضاء ،
والاخر مطلق له القدرة على استنباط تمام أبواب الفقه ، وفي
خصوص كتاب القضاء تتوفر القدرة اللازمة لاستخراج أحكامه لكل
منهما ، وإن أمكن كون أحدهما أكثر مهارة من الاخر في استنباط
ذلك الباب .
وهذا بخلاف الطبيب ، فإن الطبيب الأخصائي - في عضو أو جهاز من
أجهزة البدن - له الخبرة بأمراض مورد اختصاصه بما يكون
الطبيب العام فاقدا لتلك الخبرة قطعا ، وفي مثله يقدم قول المتجزي
بلا شك ، وأين هذا من المجتهد المطلق والمتجزي في باب من
أبواب الفقه ؟ فان مفروض البحث قدرة المتجزي على استنباط أحكام
مورد اجتهاده من إعمال قواعد عامة أو جمع بين المتعارضات
ونحوها كما يقتدر المجتهد المطلق على استنباطها .
والواقع أن إحراز سيرة العقلاء والمتشرعة على العمل بقول المتجزي
في الأحكام الشرعية مع وجود المجتهد المطلق مشكل ، خصوصا
مع ما فيها من الاهتمام الذي ليس في الشؤون الدنيوية ، فان المهم في
باب التقليد تحصيل المؤمن من العقاب المحتمل بعد العلم الاجمالي
بالتكاليف الالتزامية في الشريعة المقدسة ، فلو كان المتجزي أعلم في
بابه من المطلق أمكن دعوى بنائهم على مراجعته ، وإلا فمع فرض
المساواة لا تخلو دعوى بنائهم على الرجوع إليه من تردد .
هذا كله بناء على ثبوت صغرى رجوعهم إلى المتجزي من أهل الخبرة
في الدين ، والمهم حينئذ إمضاء هذا البناء العملي ، وقد عرفت أن
سيدنا الأستاذ ( قده ) اعتمد على ظهور معتبرة أبي خديجة في كفاية
التجزي في الاجتهاد للتصدي لمنصب القضاء ، وما ثبت له ثبت
للفتوى أيضا ، ولا عكس .
وتحقيق هذا الامر منوط بالنظر في جهتين ، الأولى : في ما يستفاد من
متن المعتبرة ، الثانية : في النسبة بينها وبين سائر الأدلة اللفظية
الظاهرة في اعتبار الاجتهاد المطلق .
أما الجهة الأولى فمحصلها : أن هذه المشهورة رواها ثقة الاسلام
الكليني بلفظ ( من قضائنا )