تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى الدراية — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
شرح
المانعون ، هذا أولها ، وحاصله : أن ملكة الاجتهاد - كسائر الملكات الحاصلة للنفس - كيف نفساني بسيط غير قابل للتجزية والتقسيم من التنصيف والتثليث وغيرهما ، وإنما القابل للتقسيم هو الكم ، وحينئذ فيدور أمر الملكة دائما بين الوجود والعدم ، ولا يعقل أن تتحقق مبعضة ، فلا يقال : ( ان لفلان نصف ملكة الشجاعة ) أو ( نصف ملكة الاجتهاد ) . وعليه فالمتصدي للاستنباط إما مجتهد مطلق وإما غير مجتهد أصلا ، والالتزام بإمكان وجود الملكة المتجزية مساوق للمحال وهو قابلية البسائط للتجزية والتقسيم ، فينحصر الاقتدار على الاستنباط في فرد واحد وهو الاجتهاد المطلق ، هذا . وقد رد المصنف هذا الوجه بما حاصله : أن التجزي في الاجتهاد ليس بمعنى قابلية ملكة الاستنباط للتنصيف أو التثليث ، فإنه غير معقول ، لما تقدم من كونها أمرا بسيطا من الكيفيات النفسانية . بل المراد أن متعلق القدرة في المتجزي أضيق دائرة من متعلقها في المجتهد المطلق ، نظير ما إذا كان هناك جوهران أسودان يكون أحدهما قليلا يصبغ مائة ثوب ، والاخر كثيرا يصبغ ألف ثوب ، فإن كلا منهما جوهر تام ، غاية الأمر أن المصبوغ بأحدهما أكثر أفرادا من المصبوغ بالآخر . وعلى هذا فالمقصود بالتجزي هو أن ملكة الاجتهاد تكون بمعنى القدرة على الاستنباط ، ومتعلق هذه القدرة يختلف قلة وكثرة ، والقدرة تتعدد بتعدد متعلقاتها بعد ما عرفت من اختلاف مدارك الأحكام ، وابتناء استنباط بعض الأحكام على مبادئ عقلية ، وبعضها على مبادئ نقلية ، وهكذا . والقدرة أمر بسيط ، لكن القدرة على فعل لا تستلزم القدرة على فعل آخر ، كما هو الحال في التمكن من الافعال الخارجية ، فإن القدرة على الاكل غير القدرة على المشي ، وهما غير القدرة على التكلم . والحاصل : أن بساطة الملكة لا تمنع عن حصولها بالنسبة إلى استنباط بعض أبواب الفقه ، لقابليتها للشدة والضعف ، فان كانت شديدة سميت بالاجتهاد المطلق ، وإن كانت ضعيفة سميت بالتجزي . وعليه فلا مانع من إمكان التجزي من ناحية بساطة مقولة الكيف . هذا ما يتعلق بالوجه الأول ، وسيأتي بيان الوجه الثاني .