شرح
لكن الظاهر إمكان الاسناد بعناية أخرى أقرب إلى أذهان العرف ، وهي
تجريد الشك واليقين عن الزمان ولحاظ اتحاد متعلقيهما ،
يعني إلغاء متعلق اليقين من حيث كونه حدوث الشئ ، ومتعلق
الشك من حيث كونه بقاءه ، فكأن هذين الوصفين تعلقا بذات واحدة
وهي
العدالة ، وحيث كان الملحوظ نفس المتعلق كان هذا المقدار كافيا في
صحة اسناد النقض إلى اليقين ، ولا يبقى مجال لتخصيص مفاد
الاخبار بالشك في الرافع فقط . ففي المثال المتقدم يصح أن يقال :
( علمت العدالة ثم شك فيها ) فبلحاظ اتحاد متعلقي اليقين والشك
ذاتا
يصح اسناد النقض إلى اليقين ، ويقال : انتقض اليقين بعدالة زيد
بالشك فيها سواء أكان المتيقن مقتضيا للبقاء أم لا .
فان قلت : ان اسناد النقض إلى اليقين حيث كان مجازيا على كل حال ،
فمقتضى قاعدة ( إذا تعذرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى ) هو
حمل ( النقض ) على رفع اليد عن خصوص اليقين المتعلق بما فيه
اقتضاء البقاء ، لكونه أقرب إلى المعنى الحقيقي من حمله على رفع
اليد عن
مطلق اليقين وان تعلق بما ليس في ذاته اقتضاء الدوام ، وعليه يختص
اعتبار الاستصحاب بالشك في الرافع دون المقتضي ، فثبت مدعى
الشيخ ( قده ) .
قلت : وان كان ذلك أقرب ظاهرا ، إلا أن المدار في الأقربية إلى المعنى
الحقيقي هو العرف لا العقل ، واليقين المتعلق بما فيه اقتضاء البقاء
أقرب إلى المعنى الموضوع له اعتبارا لا عرفا ، لما عرفت من كون
النقض مسندا إلى نفس اليقين الذي هو أمر مبرم من دون لحاظ
العرف لمتعلقه ، فلا يتفاوت في نظرهم بين كون متعلق اليقين مما فيه
اقتضاء البقاء وبين كونه مما لم يكن فيه ذلك ، فالأقربية بنظر
العقل لا توجب اختصاص حجية الاستصحاب بالشك في الرافع بعد
كون المناط في الأقربية نظر العرف المتبع في تشخيص مداليل
الخطابات الشرعية كما لا يخفى . ويشهد له أن العرف لا يفهم من
تشبيه زيد مثلا بالأسد إلا الشجاعة ، مع كون الأقرب عقلا إلى