السلفية ، لرأى بوناً شاسعاً بين الكتابين ، فالثاني يركز على النقل ، وفيه من الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات مالا يحصى بخلاف الأوّل ، فإنّه يركز على القرآن والسنّة القطعية والفكر والتفكير ويدعم العقيدة بالبرهان .
الاجتهاد الصحيح عند الشيعة هو استنطاق الكتاب والسنّة ، وليس الاجتهاد شريعة لكل وارد ، وإنّما يطّلع عليه من نهل من معين علم الأئمّة ( عليهم السلام ) ، وها نحن نذكر نماذج لكيفية تعليمهم ردّ الفروع إلى الأُصول ، وقد كان هتافهم على رؤوس أصحابهم : إنّما علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع . ( 1 )
كان الأئمّة ينهضون همم أصحابهم في إعمال التدبّر والفكر في فهم السنّة ، وهذا هو الإمام الصادق ( عليه السلام ) يقول : « أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا ، انّ الكلمة لتصرف على وجوه ، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب » . ( 2 )
ولأجل إيقاظ روح التفكير في صفوف أصحابهم كانوا يرشدونهم بالقول : « إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن ، ومتشابهاً كمتشابه القرآن ، فردّوا متشابهها إلى محكمها ، ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا » . ( 3 )
وقد أنهضت هذه الكلمات روح الاجتهاد ، وأوجدت نشاط الاستنباط ، فبلغت رتبة بعض أصحابهم درجة عالية صالحة للإفتاء ، فهذا أبو جعفر الباقر ( عليه السلام ) يقول لأبان بن تغلب : « اجلس في المسجد وافتِ الناس ، فإنّي أُحب أن يرى في شيعتي مثلك » . ( 4 )
هامش
1 . الوسائل : ج 18 ، الباب 6 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 52 .
2 . الوسائل : ج 18 ، الباب 9 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 6 .
3 . الوسائل : ج 18 ، الباب 9 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 22 .
4 . النجاشي : 1 / 73 ، في ترجمة أبان بن تغلب .