تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة طبقات الفقهاء ( المقدمة ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
الجسد الإسلامي المتمثل آنذاك في الخلافة العباسية حتى أنشبت الصليبية مخالبها في الوطن الإسلامي في أوائل القرن السادس ، فأشعلت حروباً طاحنة راح ضحيتها آلاف من المسلمين ، وكان الانتصار فيها حليف الصليبيين تارة والمسلمين أُخرى ، وبينما كان الجسد الإسلامي مثخناً بالجراح إذ واجهته حملات أشرس من ذي قبل من قبل الوثنيّين المغول من الشرق ، فاجتاحوا المدن الإسلامية الآمنة ، واستولوا على زهرتها بغداد ، فأراقوا دماءً كثيرة ، وأحرقوا المكتبات الإسلامية ، وقتلوا العلماء ، فأضحت البلاد الإسلامية تحت نير المغول في الشرق ، والصليبية في الغرب . فإذا كان هذا حال البلاد من الدمار والفوضى والهلع ، فقد انعكست تلك الظروف المتدهورة على الفقه الإسلامي ، فتخلّف عن عجلة الحضارة . هذا هو ابن الأثير يصوّر لنا الدمار الذي خلّفته تلك الحروب ، قائلاً : وقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأُمم ، منها هؤلاء التتار أقبلوا من المشرق ، ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها ، ومنها خروج الإفرنج من المغرب إلى الشام ، وقصدهم ديار مصر ، وملكهم ثغر دمياط منها ، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف اللّه ونصره عليهم . ( 1 ) ففي هذا الدور أخذ الفقه بالانحطاط ، وانتهى الأمر به إلى الجمود ، وساد الفكر التقليدي المغلق والاكتفاء بنقل كلّ ما في الكتب المذهبية ، دون مناقشة ، وطفق يتضاءل ويغيب ذلك النشاط الذي كان يحرّكه التخريج والترجيح والتنظيم في فقه المذاهب ، وأصبح طالب الفقه يدرس كتاب فقيه معين من رجال مذهبه ، فلا ينظر إلى الشريعة وفقهها إلاّ من خلال سطوره بعد أن كان قبلاً يدرس القرآن والسنّة وأُصول الشرع ومقاصده .
هامش
1 . الكامل في التاريخ : 12 / 360 .