وأمّا إن كان ذلك الداعي إلى نبذ التمذهب يعتقد في الأئمة المتبوعين أنّهم من أسباب وعوامل الفرقة والخلاف بين المسلمين ، وانّ المجتهدين في الإسلام إلى اليوم كلّهم على خطأ ، وانّه يستدرك عليهم في آخر الزمن الصواب الذي خفي على الأُمّة منذ بزوغ شمس الإسلام إلى اليوم ، فهذا من التهوّر والمجازفة البالغين حدّ النهاية . ( 1 )
أقول : إنّ ما ذكره الكوثري في تفسير الشقين ليس على صواب ، فأمّا الشق الأوّل ، فهو ما يعبّر عنه في الأُصول والكلام بالمصوبة ، ومعناه انّ كلّ حكم لم يرد فيه نص في الكتاب والسنّة ، فقد فوّض اللّه حكمه إلى المجتهدين ، فما حكم به المجتهد فهو حكم اللّه ، وفي مثل ذلك لا مانع من اجتماع النفي والإثبات ، لأنّ امتناع اجتماعهما فيما إذا كان لحكم اللّه وراء اجتهاد المجتهد واقع مستقل ، ففي مثله لا يمكن أن يكون كلّ من النفي والإثبات صحيحاً .
وأمّا إذا لم يكن هناك واقع محفوظ كما هو الحال فيما لا نصّ فيه ، فكل جهد بذل لاستنباط الحكم فهو حقّ نسبي في حقّه وحقّ مقلّديه ، وليس كذلك بالنسبة إلى مجتهد آخر ومقلّديه ، والتصويب بهذا المعنى وإن كان باطلاً عند الشيعة الإمامية ، ولكن لا يرد عليه ما ذكره أبو إسحاق الأسفراييني وتبعه الكوثري بلا تأمل ، ولا مانع حينئذ من اجتماع النفي والإثبات .
وأمّا الشقّ الثاني ، فهو ما يعبّر عنه بالمخطئة وعليه جمهور الفقهاء خصوصاً الشيعة الإمامية ، ومعناه انّ المجتهد قد يصيب وقد يخطئ ، فللأوّل أجران وللثاني أجر واحد ، وانّه ليس في الشريعة الإسلامية حادث ليس لحكمه دليل في الشريعة ، وليس الدليل منحصراً في الكتاب والسنّة .
وعلى ضوء ذلك فكلّ الأحكام لها دليل غير انّ المجتهد ربما يصيبه وربما لا
هامش
1 . مقالات الكوثري : 223 - 225 .