فأوّل من جمع ذلك الربيع بن صبيح ، وسعد بن أبي عروبة ، وغيرهما ، فكانوا
يصنفون كلّ باب على حدة إلى أن قام كبار الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني ،
فدوّنوا الأحكام ، فصنّف الإمام مالك « الموطأ » وتوخّى فيه القوي من حديث أهل
الحجاز ، ومزجه بأقوال الصحابة ، وفتاوى التابعين ومن بعدهم ; وصنّف ابن
جريج بمكة ، والأوزاعي بالشام ، وسفيان الثوري بالكوفة ، وحماد بن سلمة
بالبصرة ، وهشيم بواسط ، ومعمر باليمن ، وابن المبارك بخراسان ، وجرير بن عبد
الحميد بالري ، وكان هؤلاء في عصر واحد ، فلا يدرى أيّهم أسبق .
ثمّ تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمّة أن يفرد حديث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خاصة ، وذلك على رأس المائتين ، فصنّفوا المسانيد . ( 1 )
ولو أردنا أن نحدّد تاريخ التدوين عند أهل السنة بالضبط ، فنقول : إنّ تاريخه يرجع إلى ما ذكره الذهبي بقوله :
وفي سنة مائة وثلاث وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير ، فصنف ابن جريج بمكة ، ومالك الموطأ بالمدينة ، والأوزاعي بالشام ، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة ، ومعمر باليمن ، وسفيان الثوري بالكوفة ، وصنف ابن إسحاق المغازي ، وصنّف أبو حنيفة الفقه والرأي ، إلى أن قال : وقبل هذا العصر كان الأئمّة يتكلّمون من حفظهم ، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة . ( 2 )
إلى هنا اتضح أنّ السنّة النبوية لم تلق من الاهتمام في عصر الخلفاء والأُمويين وأوائل العصر العباسي حتى خلافة المنصور العباسي ، فأمر بتدوين السنّة وتبويبها .
هامش
1 . جلال الدين السيوطي : تنوير الحوالك : 1 / 6 - 7 .
2 . السيوطي : تاريخ الخلفاء : 316 . وسيوافيك ذيله ص 97 .