المطلوب ، بل الكمال يحصل بتسليمه لأمر المولى ، وإتيان ما في قدرته من
أسباب الذبح ؛ من تلّه للجبين ، ووضع المدية على الحلقوم ، والإمرار بشدّة
لإرادة الذبح فلم يبق من أسبابه الاختياريّة شيء إلاّ أتى به ، فوقع منه ما في
قدرته ، وما لم يقع لم يكن تحت قدرته . فإذا سلّم لهذا الأمر العظيم الذي تصغر
دونه المُعْظمات ، حصل له الكمال التامّ المتوقّع الذي لا يحصل إلاّ بالمقدّمات .
فإرادة حصول هذه الغاية العظمى ، صارت سبباً لإرادة المقدّمات على نحو اعتقد
الخليل ( عليه السلام ) مطلوبيّة ذي المقدّمة منه ؛ فإنّ الغاية لم تكن مترتّبة على
المقدّمات إلاّ بهذا النحو ، وحصولها به لم يكن ممكناً إلاّ بالأمر بالذبح ، فالأمر
به مسبّب عن هذه الإرادة ، فلم يكن غيرَ الإرادة شيء نسمّيه " الطلب " ( 7 ) .
هامش
7 - وبالجملة : ما هو فعل اختياري للآمر هو الأمر الصادر منه ، وهو مسبوق بالمبادئ
الاختيارية ، سواء فيه بين الأوامر الامتحانية وغيرها ، وإنّما الفارق بينهما بالدواعي
والغايات .
فالداعي للأوامر غير الامتحانية - وما يكون باعثاً للأمر وغاية له - هي الخاصية
المدركة من المتعلّقات ، فالداعي إلى الأمر بإتيان الماء للشرب هو الوصول إلى الخاصّية
المدركة .
وأمّا الداعي إلى الأوامر الامتحانية والإعذارية هو امتحان العبد واختباره ، أو إعذار
نفسه . ( الطلب والإرادة : 24 ) .
هذا كلّه في الأوامر الصادرة من الموالي العرفية . وأمّا الأوامر والنواهي الإلهية - ممّا
أوحى الله إلى أنبيائه - فهي ليست كالأوامر الصادرة منّا في كيفية الصدور ، ولا في
المعلّلية بالأغراض والدواعي ؛ لأنّ الغايات والأغراض والدواعي كلّها مؤثّرات في
الفاعل ، ويصير هو تحت تأثيرها ، وهو غير معقول في المبادئ العالية الروحانية فضلاً
عن مبدأ المبادئ جلّت عظمته ؛ لاستلزامه للقوّة التي حاملها الهيولى ، وتركّب الذات من
الهيولى والصورة والقوّة والفعل والنقص والكمال ، وهو عين الإمكان والافتقار ، تعالى
عنه .
فما هو المعروف بينهم : " إنّه - تعالى - يفعل للنفع العائد إلى العباد " ، مشترك في الفساد
والامتناع مع فعله للنفع العائد إليه .
ولا يلزم ممّا ذكرنا أن يكون فعله لا لغرض وغاية ، فيكون عبثاً ؛ لأنّ الغاية في فعله -
وهو النظام الأتمّ التابع للنظام الربّاني - هو ذاته تعالى ، والفاعل والغاية فيه تعالى
واحد ، لا يمكن اختلافهما ، لا بمعنى كونه تعالى تحت تأثير ذاته في فعله ؛ فإنّه - أيضاً -
مستحيل بوجوه ، بل بمعنى أنّ حبّ ذاته مستلزم لحبّ آثاره استجراراً وتبعاً ، لا استقلالاً
واستبداداً . فعلمه بذاته علم بما عداه في مرتبة ذاته ، وعلّة لعلمه بما عداه في مرآة
التفصيل ، وحبّه بذاته كذلك ، وإرادته المتعلّقة بالأشياء على وجه منزّه عن وصمة
التغيّر والتصرّم لأجل محبوبية ذاته وكونها مرضية ، لا محبوبية الأشياء ، وكونها مرضية
استقلالاً . وإلى ذلك أشار الحديث القدسي المعروف : " كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن اُعرف
فخلقت الخلق لكي اُعرف " فحبّ ظهور الذات ومعروفيتها ، حبّ الذات لا الأشياء .
وليعلم : أنّ إيحاء الوحي وإنزال الكتب وإرسال الرسل ، جزء من النظام الأتمّ الكياني التابع
للنظام الأجمل الربّاني ، وكيفية تعلّق الإرادة بها ككيفية تعلّقها بالنظام الكياني ، بنحو
التبعية والاستجرار للنظام الربّاني ؛ أي حضرة الأسماء والصفات ، وهي الكنز المخفي
المحبوب بالذات ، والمحبّ والمحبوب والحبّ عين الذات .
فتحصّل ممّا ذكرنا : وهن تمسّك الأشعري لإثبات مطلوبه بالأوامر الامتحانية ؛ فإنّه - مع
ما عرفت بطلانه - لو فرض كلام نفسيّ ، وطلب نفسي لنا فيها لا يمكن تصوّره في ذات
القيّوم الواجب جلّ وعلا ، وهل هذا إلاّ قياس الحقّ بالخلق والتراب وربّ الأرباب ولعلّ
النملة ترى أنّ لله زبانيتين . ( الطلب والإرادة : 26 - 27 ) .