الوجود الخارجيّ ؛ لأنّ البعث والتحريك إنّما هما لإتيان المتعلّق وإيجاده ،
ولا يعقل بقاؤهما بعد الإتيان والإيجاد ( 147 ) .
ومن ذلك يتّضح : أنّ اجتماع الضدَّيْن لأجل أنّ الأحكام متضادّات ، ليس
بمحذور أيضاً ؛ لعين ما ذكرنا في المثلَيْن .
نعم ، المحذور الذي لابدّ من جوابه ؛ هو لزوم اجتماع الإرادتين
المتضادّتَيْن في متعلّق واحد ؛ ضرورة امتناع تعلّق الإرادة الحتميّة الوجوبيّة مع
الإرادة الحتميّة التحريميّة ، أو الراجحة الاستحبابيّة ، أو التنزيهيّة ، أو
الترخيصيّة ، على موضوع واحد ، من مريد واحد ، متوجّهة إلى مكلَّف واحد ، في
زمان واحد .
هامش
147 - اعلم : أنّ الإنشائيات كلّها من الاُمور الاعتبارية لا تحقّق لها إلاّ في وعاء الاعتبار ؛ فإنّ
دلالة الألفاظ المنشأ بها على معانيها إنّما هي بالمواضعة والوضع الاعتباريين ، فلا يعقل
أن يوجد بها معنى حقيقي تكويني أصيل ، فهيئة الأمر والنهي وضعت للبعث والزجر
الاعتباريين في مقابل البعث والزجر التكوينيين ، فقول القائل : " صلّ " مستعمل في إيجاد
البعث والحثّ والتحريك الاعتباري ، فالعلّة اعتباري والمعلول مثله .
وعلى هذا الأساس فالأحكام التكليفية كلّها من الاُمور الاعتبارية لا وجود حقيقي لها إلاّ
في وعاء الاعتبار .
إذا عرفت ذلك ، تقف على بطلان القول بأنّ الأحكام الخمسة اُمور متضادّة ، كما اشتهر عنهم
في باب الترتّب واجتماع الأمر والنهي ، والجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية وغيرها .
وأظنّ أنّك بعد الوقوف على ما ذكرنا تقف على أنّ بطلان الضدّية فيها ليس لأجل انتفاء
شرط الضدّية أو قيدها فيها ، بل البطلان لأجل أنّ التضادّ والتماثل والتخالف من مراتب
الحقيقة ؛ أي الموجودة في المادّة الخارجية ، فالأحكام لا حظّ لها من الوجود الخارجي
حتّى يتحمّل أحكامه ، وقس عليه سائر القيود ؛ فإنّها أيضاً منتفية ، كما ذكرنا . ( تهذيب
الاُصول 2 : 136 و 137 ) .