الشارع ، ومعلوم أنّ الأمارات عند العقلاء ليست إلاّ طريقاً إلى الواقع ، وكاشفات
عنه - فقبح إيجاب العمل بالأمارات والتعبّد بها ، إنّما هو فيما إذا فوّتت الأمارة
المصلحة ، أو أوقعت في المفسدة .
وأمّا مع جهل المكلّف بالأحكام الواقعيّة ؛ بحيث لو تركه الشارع على
جهله يرى وقوعه في خلاف الواقع كثيراً ، ويرى أنّ في جعل الأمارة على الواقع
إيصالاً له إليه ، أكثر ممّا لو تركه على حاله ، فلا قبح فيه ، وتخلّف الأمارة عن
الواقع إذا كان قليلاً - في مقابل الإصابة ، وفي مقابل جعل الأمارة - شرّ قليل ، في
قبال الخير الكثير ، ولا يترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل .
مع أنّ وقوعه في الخلاف أيضاً ، من تبعات جهله ، لا من تبعات التعبّد
بالأمارة ، وعدم القبح في هذه الصورة إنّما هو بحسب تشخيص الشارع كثرة
الإصابة وقلّة المخالفة .
ولو فرض أنّ المكلّف يرى انفتاح باب علمه إلى الواقع ، وتوهَّم أنّ التعبّد
بالأمارة موجب لصرفه عن علمه بالواقع ، ورأى الشارع أنّه جاهلٌ مركّب ،
فلا يكون تعبّده بالأمارة قبيحاً .
نعم ، لو فرض انفتاح باب العلم حقيقة ، وأنّ التعبّد بالأمارات موجبٌ
لتفويت المصلحة ، والإيقاع في المفسدة ، يكون التعبّد بها قبيحاً ( 146 ) ، لكنّه فرضٌ
هامش
146 - إنّ في إيجاب تحصيل العلم التفصيلي في زمان الحضور ، وفي إيجاب الاحتياط في زمن
الغيبة أو الحضور مع عدم إمكان الوصول إليه ( عليه السلام ) مفسدة غالبة .
توضيحه : أمّا في زمان الانفتاح ؛ فلأنّ السؤال عن الأئمّة ( عليهم السلام ) وإن كان أمراً ممكناً غير
معسور ، إلاّ أنّ إلزام الناس في ذلك الزمان على العمل بالعلم كان يوجب ازدحام الشيعة
على بابهم ، وتجمّعهم حول دارهم ، وكان التجمّع حول الإمام أبغض شيء عند الخلفاء ،
وكان موجباً للقتل والهدم وغيرهما .
فلو فرض وجوب العلم التفصيلي في زمن الصادقين ( عليهم السلام ) ، كان ذلك موجباً لتجمّع الناس
حول دارهم وديارهم ، بين سائل وكاتب ، وقارئ ومستفسر ، وكان نتيجة ذلك تسلّط
الخلفاء على الشيعة وردعهم ، وقطع اُصولهم عن أديم الأرض ، وعدم وصول شيء من
الأحكام الشرعية موجودة بأيدينا . فدار الأمر بين العمل بالأخبار الواردة عنهم ( عليهم السلام )
بطريق الثقات الموصلة إلى الواقع غالباً وإن خالفت أحياناً ، وبين إيجاب العلم حتّى يصل
بعض الشيعة إلى الواقع ويحرم آلاف من الناس عن الأحكام والفروع العملية ؛ لما عرفت
أنّ الإلزام على تحصيل العلم كان ذلك مستلزماً للتجمّع على باب الأئمّة ، وكان نتيجة
ذلك صدور الحكم من الخلفاء بأخذهم وشدّهم ، وضربهم وقتلهم ، واضطهادهم تحت كلّ
حجر ومدر .
وأمّا الاحتياط في هذه الأزمان أو زمن الحضور - لمن لم يمكن له الوصول إليهم ( عليهم السلام ) -
ففساده أظهر من أن يخفى ؛ فإنّه مستلزم للحرج الشديد واختلال النظام ورغبة الناس عن
الدين الحنيف ، بل موجب للخروج من الدين ، فإنّ الحكيم الشارع لابدّ له ملاحظة
طاقة الناس واستعدادهم في تحمّل الأحكام والعمل بها ، ومثله التبعيض في الاحتياط ؛
فإنّه لو لم يوجب حرجاً شديداً ، لكنّه موجب رغبة جمهرة الناس عن الدين .
وبالجملة : البناء على الاحتياط المطلق ، أو بمقدار ميسور في جميع التكا ليف من
العبادات والمعاملات والمناكحات وغيرها ، يستلزم الحرج الشديد في بعض الأحوال ،
ورغبة الناس عن الدين ، وقلّة العاملين من العباد للأحكام في بعض آخر ، فلأجل هذا
كلّه اُمضي عمل العقلاء وبناؤهم في العمل بالظنون ، وأخبار الآحاد بمقدار يؤسّس لهم
نظاماً صحيحاً ، وهذا وإن استلزم فساداً وتفويتاً ، غير أنّه في مقابل إعراض الناس عنه
وخروجهم منه وقلّة المتدينين به ، لا يعدّ إلاّ شيئاً طفيفاً يستهان به . ( تهذيب الاُصول 2 :
133 - 134 ) .