ففيه : أنّه يمكن أن يقال : إنّ المؤثّر أوّلها وجوداً لا غير ، كما يمكن اختيار
ثاني الاحتمالات .
واستدلّ بعضٌ آخر على عدم التداخل بما يقرب من ذلك . وحاصله : أنّ
ظهور الشرط إنّما يكون في العلّيّة بالنسبة إلى الجزاء ، فلو كان هو مع غيره أو
أحدهما - معيّناً أو غير معيّن - شرطاً ، كان خلاف ظاهر أخذ كلّ شرط مستقلاًّ في
القضيّتين ، فلا مناص من الالتزام بعدم التداخل ( 1 ) .
وفيه : أنّه عبارة اُخرى عمّا قرَّبه المحقّق الخراساني ( 2 ) مع تصرّف مخلٍّ
بالاستدلال .
وقد يظهر من التقريرات إشكالٌ على عدم التداخل ، محصّله : أنّ ظاهر إطلاق
الجزاء في كلٍّ من الشرطيّات هو إيجاد صِرف الطبيعة ، وهو ممّا لا يتكثّر كالفرد ( 3 ) .
والجواب : أنّه لو كان الإشكال ذلك لكان واضح البطلان ؛ لأنّ الطبيعة
قابلة للتكرار مع عدم انسلاخها عن الوحدة النوعيّة - كما قيل : إنّ المفهوم إن لم
يمتنع صدقه على الكثيرين فهو كلّي ( 4 ) - بل الإشكال في أنّ كلاًّ من الشرطيّات
علّة للوجوب المتعلّق بالطبيعة ، وهو غير قابل للتكثّر ( 92 ) .
هامش
1 - مقا لات الاُصول 1 : 406 - 407 .
2 - كفاية الاُصول : 240 - 242 .
3 - مطارح الأنظار : 179 / السطر 9 .
4 - الحاشية على تهذيب المنطق : 38 ، وانظر شرح المطالع : 48 / السطر 5 .
92 - لكن بعد اللتيّا والتي لا شبهة في أنّ فهم العرف مساعد على عدم التداخل ، وأنّ
الشرطيات المتعدّدة مقتضية للجزاء متعدّداً . وهل هذا من جهة ارتكاز مقايسة التشريع
بالتكوين وإن أبطلناها ، لكن إذا كان هذا الارتكاز منشأ للظهور العرفي وتحكيم ظهور على
آخر ، فلابدّ من اتّباعه ، أو من جهة ارتكاز تناسب الشرط مع متعلّق الأمر في الجزاء ؛
لحكم العرف بأنّ لوقوع الفأرة - مثلاً - في البئر تناسباً مع نزح سبع دلاء ، ولوقوع الوزغة
تناسباً معه ، وأنّ الأمر إنّما تعلّق به لأجل التناسب بينهما ، وإلاّ كان جزافاً ، فيرى بعد ذلك
أنّ لوقوع كلٍّ منهما اقتضاء خاصّاً بها ، وارتباطاً مستقلاّ لا يكون في الاُخرى ، وهو يوجب
تعدّد وجوب نزح المقدّر أو استحبابه ، وهذا يوجب تحكيم ظهور الشرطية على إطلاق
الجزاء ؟
ثمّ إنّه على فرض استقلال كلّ شرط في التأثير لابدّ من إثبات كون أثر الثاني غير أثر
الأوّل . ( مناهج الوصول 2 : 204 - 205 ) .
فالأولى في هذا المقام - أيضاً - التشبّث بذيل فهم العرف ، تعدّد الجزاء لأجل مناسبات
مغروسة في ذهنه كما تقدّم ؛ ولهذا لا ينقدح في ذهنه التعارض بين إطلاق الجزاء وظهور
الشرطية في التعدّد ، فتدبّر جيّداً .
ثمّ إنّه بعد تسليم المقدّمتين - أي ظهور الشرطية في استقلال التأثير ، وكون الأثر الثاني
غير الأوّل - فهل يمكن تداخل المسبّبين ثبوتاً ، أو لا ؟ وعلى الأوّل فما حال مقام الإثبات ؟
أمّا مقام الثبوت : فالوضوء في قوله : " إذا نمت فتوضّأ " ، و " إذا بلت فتوضّأ " ماهية واحدة ،
ولأجل تسليم المقدّمتين لابدّ من كونها مقيّدة بقيدين ، حتّى يكون كلّ سبب علّة مستقلّة
للإيجاب على أحد العنوانين ، لكن لا يجب أن يكون بين العنوانين التباين ، حتّى يمتنع
تصادقهما على الفرد الخارجي ، فمع عدم قيام دليل على امتناعه لا يجوز رفع اليد عن
الدليل الدالّ على التداخل فرضاً ، فقوله : لا يعقل ورود دليل على التداخل ، فرع إثبات
الامتناع ، وهو مفقود .
بل لنا أن نقول : لازم ظهور الشرطيتين فيما ذكر ، وورود الدليل على التداخل ، كون
المقيّدين قابلين للتصادق . هذا حال مقام الثبوت .
وأمّا في مقام الإثبات : فما لم يدلّ دليل على التداخل لا مجال للقول به ، فلابدّ في مقام
العمل من الإتيان بفردين ، حتّى يتيقّن بالبراءة ؛ للعلم بالاشتغال بعد استقلال الشرطيتين في
التأثير ، وكون أثر كلّ غير الآخر ، كما هو المفروض . ( مناهج الوصول 2 : 208 - 210 ) .