" رجل شكّ في صلاته بين الاثنين والثلاث " ( 1 ) ، فإنّ الموضوع في نظر العرف هو
المصلّي الشاكّ من غير دخالة للرجوليّة فيه ، فالقيود إذا كانت بنظر العرف مُلغاة
غير دخيلة في الحكم ، وكان الحكم بنظرهم ثابتاً لغير مورد القيد ، كان ذلك من
مفهوم الموافقة ؛ سواء كانت نسبة المنطوق إلى المفهوم هي الأولويّة ، كقوله
تعالى : ( فَلا تَقُلْ لَهُما اُفٍّ ) ( 2 ) ، أو لا كالمثال المتقدّم ، والقدماء جعلوا القول
بالمفهوم - فيما إذا كانت النسبة هي الأولويّة - قولاً بالتفصيل في المسألة ( 3 ) ، لا
أنّ البحث في المفهوم مختصّ بها .
وبالجملة : إنّ موضوع البحث في المفاهيم أعمّ من المفهوم الموافق
والمخالف ، وفي الأوّل أعمّ ممّا يكون بالأولويّة أو لا ، والجامع بين المفهومين
في البحث هو القيد الزائد ، وإن كان القيد في مفهوم المخالفة على طبق القاعدة
- أي كونه للاحتراز والقيديّة - وفي الموافقة على غير القاعدة - أي الإتيان به -
إنّما هو من جهة كونه أحد الأفراد ، ويكون القيد ملغىً بنظر العرف .
ومفهوم الموافقة عند القدماء هو الذي يعبِّر عنه المتأخّرون ب " إلغاء
الخصوصيّة " ( 4 ) ، وهو غير تنقيح المناط ؛ فإنّ الثاني أمرٌ عقلي ، والأوّل من
المداليل العرفيّة ( 83 ) .
هامش
1 - اُنظر وسائل الشيعة 5 : 319 ، كتاب الصلاة ، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الباب 9 ،
الحديث 1 - 3 .
2 - الإسراء ( 17 ) : 23 .
3 - اُنظر الذريعة إلى اُصول الشريعة 1 : 392 - 393 ، 399 - 400 ، وشرح العضدي على
مختصر ابن الحاجب : 308 .
4 - فوائد السيّد بحر العلوم : 124 / السطر 13 - الفائدة 37 .
83 - واختلفت التعبيرات في تفسيره ، ونحن نذكر الاحتمالات ، ونتكلّم فيها .
فنقول : فيه احتمالات :
الاحتمال الأوّل : ما يعبّر عنه المتأخّرون بإلغاء الخصوصية ، مثل قوله : " رجل شكّ بين
الثلاث والأربع . . . " ولا شبهة في أنّ العرف يرى أنّ الحكم إنّما هو للشكّ بينهما من غير
دخالة للرجولية فيه .
الاحتمال الثاني : المعنى الكنائي الذي سيق الكلام لأجله ، مع عدم ثبوت الحكم
للمنطوق ، كقوله : ( فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا اُفٍّ ) إذا فرض كونه كناية عن حرمة إيذائهما ، ولم يكن
الاُفّ محكوماً بحكم .
الاحتمال الثالث : ما إذا سيق الكلام لأجل إفادة حكم ، فاُتي بأخفّ المصاديق - مثلاً -
للانتقال إلى سائرها ، مثل الآية المتقدّمة إذا كان الاُفّ محكوماً بالحرمة أيضاً .
الاحتمال الرابع : الحكم الغير المذكور الذي يقطع العقل به بالمناط القطعي من الحكم
المذكور ، كقوله : " أكرم خدّام العلماء " حيث يعلم بالمناط القطعي وجوب إكرام العلماء .
الاحتمال الخامس : الحكم المستفاد من القضيّة التعليلية ، كقوله : " الخمر حرام لأنّه
مسكر " .
فيمكن أن يكون المراد من الموافق بعض هذه الاحتمالات ، أو جميعها ، والجامع بينها هو
الحكم في غير محلّ النطق ، الموافق للحكم في محلّه - على فرضه - في الإيجاب
والسلب . ( مناهج الوصول 2 : 297 - 299 ) .