الثالثة : أنّ شرائط التكا ليف متقدّمة عليها نحو تقدّم الموضوعات على
الأحكام ، فالاستطاعة متقدّمة رتبة على الأمر المتعلّق بالحجّ بشرط
الاستطاعة .
وإن شئت قلت : إنّ الشرائط كلّها ترجع إلى تقيّد الموضوع بها ، فتقدّمها على
الأمر تقدّم الموضوع على الحكم ، فكما أنّ الأمر إذا تعلّق بالمستطيع ، فقيل :
" يجب على المستطيع الحجّ " ، تكون الاستطاعة متقدّمة عليه ، كذلك الأمر
المشروط ، بل تقدّم الشرط عليه أوضح ( 54 ) .
هامش
54 - أقول : ما ذكره من عدم تأخّر الحكم عن شرطه زماناً متين ، سواء رجعت الشرائط إلى
قيود الموضوع أو لا . . . ، لكن كلّ شرط إنّما يتقدّم على مشروطه رتبة في ظرف تحقّقه ،
لا حال عدمه .
وبعبارة اُخرى : أنّ وجود الشرط يتقدّم على المشروط تقدّماً رتبياً ، فقبل وجود الشرط
لا يمكن تحقّق المشروط بالضرورة ، فحينئذ يلاحظ فإن كان الشرط أمراً زمانياً فلابدّ من
تحقّقه في زمانه حتّى يتحقّق بعده مشروطه بلا تخلّل آن بينهما ، وكذا لو كان غير زماني .
فإذا فرضنا واجبين مضيّقين أحدهما أهمّ ، كإنقاذ الابن في أوّل الزوال وإنقاذ العمّ في أوّله ،
ويكون ظرف إنقاذ كلٍّ منهما ساعة بلا نقيصة ولا زيادة ، فمع أمر المولى بإنقاذ الابن مطلقاً
لا يعقل تعلّق أمره بإنقاذ العمّ مشروطاً بعصيان أمر الأهمّ ؛ لأنّ العصيان عبارة عن ترك
المأمور به بلا عذر في مقدار من الوقت يفوت به الإتيان به ، ولا محالة يكون ذلك في
زمان ، ولا يعقل أن يكون الترك في غير الزمان ؛ أي في ظرفه محقّقاً للمعصية ؛ لعدم
محقّقية الفوت به ، ففوت الأهمّ المحقّق لشرط المهمّ لا يتحقّق إلاّ بمضيّ زمان لا يتمكّن
المكلّف من إطاعة أمره ، ومضيّ هذا الزمان كما أنّه محقّق لفوت الأهمّ ، محقّق لفوت
المهمّ أيضاً ، فلا يعقل تعلّق الأمر بالمهمّ في ظرف فوته ، ولو فرض الإتيان به قبل عصيان
الأهمّ ، يكون بلا أمر ، وهو خلاف مقصود القائل بالترتّب . ( مناهج الوصول 2 : 38 - 39 ) .
وهذا الإشكال يهدم أساس الترتّب ، سواء في مضيّقين ، أو مضيّق وموسّع .
أمّا الأوّل : فقد عرفت .
وأمّا الثاني : فبعين ما ذكرنا ؛ لأنّه إذا فرض كون أحدهما موسّعاً ، لكن يكون أوّل زمانه
أوّل الزوال الذي هو ظرف إتيان المضيّق ، لا يعقل تعلّق الأمر بالموسّع أوّل الزوال مشروطاً
بعصيان المضيّق ؛ لما عرفت من أنّ العصيان ترك المأمور به في مقدار من الزمان يفوت به
الأهمّ ، فلابدّ من تعلّق الأمر بالموسّع بعد مضيّ زمان يتحقّق به العصيان ، وهو هدم أساس
الترتّب .
وكذا الحال لو فرض أنّ العصيان آنيّ الوجود ؛ لأنّه قبل مضيّ هذا الآن لا يتحقّق شرط
المهمّ ، فيكون ظرف تحقّق أمر الأهمّ فقط ، وبتحقّقه سقط أمر الأهمّ بحصول العصيان
ومضيّ أمد اقتضائه ، ولا يُعقل بقاؤه على فعليته بعد عصيانه ومضيّ وقته ، فتفويت متعلّق
الأهمّ في رتبة متقدّمة أو آن متقدّم على تعلّق أمر المهمّ ، وسقوط أمر الأهمّ وثبوت أمر
المهمّ في رتبة واحدة أو آن واحد ، فأين اجتماعهما ؟ !
وإن شئت قلت : إنّ اجتماعهما مستلزم لتقدّم المشروط على شرطه ، أو بقاء فعلية الأمر
بعد عصيانه ومضيّ وقته ، وهما باطلان . ( مناهج الوصول 2 : 40 - 41 ) .