من الجمع بين الضدّين ، فالمولى إذا توجّه إلى ذلك لا يمكن أن يأمره بأحد
الضدّين في رتبة الأمر بالضدّ الآخر ؛ فإنّ البعث إلى أحدهما - في رتبة البعث
إلى الآخر - شريك الأمر بالجمع بين الضدّين في الملاك ، لا هو نفس الأمر
بالضدّين ، فإذا أمر بالصلاة في أوّل الزوال ، لا يمكن أن يأمر بإزالة النجاسة من
المسجد في رتبة هذا الأمر ، لا للأمر بالجمع بين الضدّين ، بل لوجدان ملاكه .
الثانية : أنّ رتبة عصيان كلّ أمر متأخّرة عن نفس الأمر ، كما أنّ رتبة
اطاعته كذلك ، فما لم يكن هنا أمر ، لم يكن ولم يمكن عصيان ولا إطاعة ، فهما
متأخّران عن الأمر والنهي المتعلّقين بالموضوع ، وهذه واضحة ( 53 ) .
هامش
53 - إنّ العصيان لا يكون متأخّراً رتبة عن الأمر ؛ لعدم ملاك التأخّر الرّتبي فيه ؛ فإنّه إمّا من
ناحية العلّية والمعلولية ، أو كون شيء جزء للعلّة أو جزء للماهية أو شرطاً للتأثير أو
التأثّر ، وكلّها مفقود بالنسبة إلى العصيان .
لا يقال : إنّ إطاعة كلّ أمر متأخّرة عن الأمر رتبة ؛ لأنّها عبارة عن الانبعاث عن البعث ،
ولا إشكال في تأخّر الانبعاث عن البعث رتبة تأخّر المعلول عن علّته أو عن جزئها ،
والعصيان عبارة عن ترك الامتثال بلا عذر ، وهو مصداق نقيض الإطاعة ، والماهية
ومصداقها ليسا في رتبتين ؛ لمكان اتّحادهما الذاتي ، فالعصيان في رتبة نقيض الإطاعة ،
ونقيض الإطاعة في رتبتها ؛ لأنّ النقيضين في رتبة واحدة ، وما مع المتأخّر رتبة متأخّر
كذلك ، فينتج أنّ العصيان متأخّر عن الأمر . ( مناهج الوصول 2 : 46 - 47 ) .
فإنّه يقال : منع كون النقيضين في رتبة واحدة ؛ لأنّ نقيض كلّ شيء رفعه ، فنقيض البياض
في المرتبة رفعه على أن يكون القيد للمسلوب لا للسلب ، فإذا لم يصدق كون المعلول في
رتبة علّته ، صدق عدم كونه في رتبتها بنحو السلب التحصيلي مفاد الهلية المركّبة ، أو
بنحو السلب المحمولي للمقيّد على أن يكون القيد للمسلوب ، وإن كذب كون عدمه في
رتبتها ، فنقيض كون المعلول في رتبة العلّة عدم كونه في رتبتها ، لا كون العدم في رتبتها .
( مناهج الوصول 2 : 12 - 13 ) .
نعم ، العصيان يتأخّر عن الأمر زماناً لو اُغمض عن الإشكال الآتي ، وهو غير التأخّر
الرّتبي .
هذا ، مضافاً إلى أنّ العصيان عبارة عن ترك المأمور به بلا عذر ، وهو معنى عدمي لا يمكن
أن يتّصف بحيثية وجودية مطلقاً . وقد تكرّر منّا : أنّ القضايا الصادقة التي موضوعاتها
اُمور عدمية لابدّ وأن تكون من السالبة المحصّلة أو ترجع إليها ، والموجبات مطلقاً
لاتصدق في الأعدام إلاّ بتأوّل ، وفي بعض القضايا الغير المعتبرة ، كقوله : " العدم عدم " ،
فالعصيان بما أنّه عدمي لا يمكن أن يتأخّر عن شيء أو يتقدّم ، ولا يمكن أن يكون موضوعاً
لحكم ولا شرطاً لشيء أو مانعاً عنه .
وبما ذكرنا ينهدم أساس الترتّب ؛ لأنّه مبنيّ على التقدّم والتأخّر الرتبيين ، وهما بين الأمر
وإطاعته - على تأمّل فيه أيضاً - لا بينه وبين عصيانه . اللّهم إلاّ أن يجعل الموضوع هو
الذي لا يأتي بالمأمور به بلا عذر ، لكن مع ذلك لا يكون التقدّم رتبياً . ( مناهج الوصول 2 :
47 - 48 ) .