لأنّ حقيقة النهي عبارة عن طلب الترك ، فإذا صار متعلّق الترك تركاً ، يصير معنى
النهي طلب ترك الترك ، وهو عين طلب الفعل .
وفيه : أنّ حقيقة النهي عبارة عن الزجر عن الفعل ، لا طلب الترك ،
فلا تصحّ دعوى العينيّة .
نعم ، لا بأس بأن يقال : إنّ الأمر عين النهي عن ضدّه العامّ ؛ فإنّه يصحّ أن
ينسب إلى الآمِر بفعل : " أنّه زاجر عنه " على نحو من المسامحة ، كما ينسب إلى
الناهي عن فعل : " أنّه طا لب لتركه " .
لكن لا بمعنى ثبوت تكليفين ، حتّى يلزم تعدّد العقاب في صورة العصيان ،
بل بمعنى اتّحاد البعث نحو الفعل مع الزجر عن تركه في الواقع ونفس الأمر ، وإن
اختلفا مفهوماً ( 1 ) .
الثالث : في الضدّ الخاصّ
قد استدلّ على اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه الخاصّ بوجهين :
أحدهما : أنّ إتيان الضدّ مستلزم لترك ضدّه ، وترك الضدّ حرام ؛ لكونه ضدّاً
عامّاً للواجب ، فإتيان الضدّ مستلزم للترك الحرام ، والمستلزم للترك الحرام حرام ،
فضدّ الواجب حرام ( 2 ) ( 49 ) .
هامش
1 - هذه العبارات تتميم موافق لما أفاد آية الله البروجردي ، استفدنا من بعض تقريرات
بحثه .
2 - اُنظر معا لم الدين : 67 / السطر 13 ، وقوانين الاُصول 1 : 114 / السطر 21 .
49 - وهذا الدليل يبتني على ثلاث مقدّمات :
إحداها : أنّ وجود كلٍّ من العينين مع عدم ضدّه متلازمان .
ثانيتها : أنّ المتلازمين محكومان بحكم واحد لا محالة .
ثالثتها : أنّ الأمر بالشيء مقتض للنهي عن ضدّه العامّ .
والدليل على الاُولى : أنّ الضدّ لا يصدق مع ضدّه لبطلان اجتماعهما ، فإذا لم يصدق هو لابدّ
من صدق نقيضه ؛ لبطلان ارتفاع النقيضين ، ولمّا لم يمكن الصدق الذاتي بين الوجود
والعدم فلابدّ وأن يكون عرضياً بنحو التلازم في الصدق ، وهو المطلوب .
والجواب عنه : أنّ نقيض صدق إحدى العينين على الاُخرى عدم صدقها عليها على نعت
السلب التحصيلي لا الإيجاب العدولي ، وإلاّ لزم ارتفاع النقيضين ؛ ضرورة كذب الإيجاب
العدولي أيضاً ؛ للزوم كون العدم صادقاً على الوجود ومتلازماً معه فيه .
هذا ، مع أنّه لا شيئية له حتّى يكون ملازماً لشيء .
مضافاً إلى أنّ التلازم في الوجود يقتضي عروض الوجود للمتلازمين ، فيلزم اجتماع
النقيضين ، فالغلط ناش من عدم اعتبار الحيثيات وتقديم الحمل على السلب وعدم التفريق
بين السوالب المحصّلة والموجبات المعدولة ، وكم له من نظير .
والدليل على الثانية : أنّ المتلازم مع وجوب ملازمه إن لم يكن واجباً ، فلابدّ وأن يكون
محكوماً بحكم آخر ؛ لعدم خلوّ الواقعة عن حكم ، والجامع بين ما عدا الوجوب هو جواز
الترك ، ومع جوازه يلزم إمّا خروج الواجب عن كونه واجباً ، وإمّا التكليف بما لا يطاق .
والجواب أمّا أوّلاً : أنّ العدم ليس من الوقائع ؛ فإنّه بطلان محض لا يمكن أن يكون - بما هو
- محكوماً بحكم ، وما ترى من نسبة الحكم إلى بعض الأعدام ، لابدّ من إرجاعه إلى
مقابلاته ، كوجوب تروك الإحرام وتروك المفطرات .
وثانياً : لم يقم دليل على عدم خلوّ الواقعة عن الحكم ، بل الدليل على خلافه ؛ فإنّ
الواقعة لو لم يكن لها اقتضاء أصلاً ، ولم يكن لجعل الإباحة - أيضاً - مصلحة ، فلابدّ وأن
لا تكون محكومة بحكم ، والإباحة العقلية غير الشرعية المُدّعاة ، ومع خلوّها عن
الجواز الشرعي لا يلزم المحذور المتقدّم .
هذا ، مع أنّه لو سلّم ، فلزوم ما ذكر ممنوع .
وقد مرّ الجواب عن الثالثة . ( مناهج الوصول 2 : 17 - 19 ) .