هامش
= يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » آل عمران - 67 .
ففي إثبات الحنف له عليه السّلام تعريض لأهل الكتاب ، وتبرئة لساحة إبراهيم عن الميل عن حلق الوسط إلى مادية اليهود محضا والى معنوية النصارى محضا بل هو عليه السّلام غير يهودي ولا نصراني ومسلم للَّه غير متخذ له شريكا كالمشركين عبدة الأوثان .
وكذا قوله تعالى : « وما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وهُمْ مُشْرِكُونَ » يوسف - 106 وقوله تعالى : « ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ » فصلت - 6 وقوله تعالى : « إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ » النحل - 100 . فان هذه الآيات ليست في مقام التسمية بحيث يعد المورد الذي يصدق وصف الشرك عليه مشركا غير مؤمن ، والشاهد على ذلك صدقه على بعض طبقات المؤمنين ، بل على جميعهم غير النادر الشاذ منهم وهم الأولياء المقربون من صالحي عباد اللَّه .
فقد ظهر من هذا البيان على طوله : أن ظاهر الآية أعني قوله تعالى : « ولا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ » قصر التحريم على المشركات والمشركين من الوثنيين دون أهل الكتاب .
ومن هنا يظهر : فساد القول بأن الآية ناسخة لآية المائدة وهي قوله تعالى : « الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ والْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ والْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ » الآية » المائدة - 6 .
أو أن الآية أعني قوله تعالى : « ولا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ » ، وآية الممتحنة أعني قوله تعالى : « ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ » الممتحنة - 20 ناسختان الآية المائدة ، وكذا القول بأن آية المائدة ناسخة لآيتي البقرة والممتحنة .
وجه الفساد : أن هذه الآية أعني آية البقرة بظاهرها لا تشمل أهل الكتاب وآية المائدة لا تشمل إلا الكتابية فلا نسبة بين الآيتين بالتنافي حتى تكون آية البقرة ناسخة لآية المائدة أو منسوخة بها ، وكذا آية الممتحنة وان أخذ فيها عنوان والكوافر وهو أعم من المشركات ويشمل أهل الكتاب ، فان الظاهر أن إطلاق الكافر يشمل الكتابي بحسب التسمية بحيث يوجب صدقه عليه انتفاء صدق المؤمن عليه كما يشهد به قوله تعالى :
: « مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ » البقرة - 98 إلا أن ظاهر الآية كما سيأتي إنشاء اللَّه العزيز أن من آمن من الرجال وتحته زوجة كافرة يحرم عليه الإمساك بعصمتها أي إبقائها على الزوجية السابقة إلا أن تؤمن فتمسك بعصمتها ، فلا دلالة لها على النكاح الابتدائي للكتابية .
ولو سلم دلالة الآيتين أعني : آية البقرة وآية الممتحنة على تحريم نكاح الكتابية ابتداء لم تكونا بحسب السياق ناسختين لآية المائدة ، وذلك لان آية المائدة واردة مورد الامتنان والتخفيف ، على ما يعطيه التدبر في سياقها ، فهي آبية عن المنسوخية بل التخفيف المفهوم منها هو الحاكم على التشديد المفهوم من آية البقرة ، فلو بنى على النسخ كانت آية المائدة هي الناسخة .
على أن سورة البقرة أول سورة نزلت بالمدينة بعد الهجرة ، وسورة الممتحنة نزلت بالمدينة قبل فتح مكة ، وسورة المائدة آخر سورة نزلت على رسول اللَّه ناسخة غير منسوخة ولا معنى لنسخ السابق اللاحق . انتهى