في المائدة وهي قوله : « وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ ] والْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ » ( 1 ) الآية . وقيل بعدم نسخ آية المائدة لأنّ المائدة آخر ما نزل كما قيل ، ولأنّ الأصل عدم النّسخ فعلى هذا يكون هذه مخصّصة بآية المائدة لما تقرّر في الأصول أن التخصيص خير من النسخ ، فلذلك حكم بعض أصحابنا بتحريم الكتابيّات مطلقا على الأوّل من الثاني ، وبعضهم حكم بحلّ الكتابيّات مطلقا على الثاني منه وهو قول شاذّ ينسب إلى ابن الجنيد . والمتأخّرون من الأصحاب حكموا بحلّ الكتابيّات متعة لا غير لأنّ آية المائدة لا تدل على إباحة نكاح الدّوام بل نكاح المتعة لقوله تعالى : « إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ » ولم يقل مهورهنّ ، وعوض المتعة سمّي أجرا لقوله : « فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ » ( 2 ) وفي هذا القول نظر أمّا أوّلا فلأنّ آية المائدة منسوخة بقوله : « ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ » كما رواه زرارة عن الباقر عليه السّلام ونمنع كون المائدة آخر القرآن نزولا لعدم الدلالة القاطعة عليه ، وعلى تقديره جاز أن يكون أكثرها هو الأخير نزولا عن جملة السورة ، ويكون هذه الآية ضمّت إليها بعد نسخها ، وتكون من الَّذي نسخ حكمه دون تلاوته كآية عدّة الوفاة بالحول وأمّا ثانيا فلأنّا نمنع دلالتها على المتعة فإنّ المهر مطلقا يسمّى أجرا كقوله : « عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ » ( 3 ) . ويمكن أن يجاب أمّا عن الأوّل فلأنّها جزء من المائدة قطعا ، وتأخّر المائدة مشهور ( 4 ) وقرائن أحكامها تدل عليه مع أصالة عدم النسخ وأمّا عن الثاني
كنز العرفان في فقه القرآن — صفحة 197
مساهمون: المقداد السيوري
ص١٩٧
هامش
( 1 ) المائدة : 5 .
( 2 ) النساء : 24 .
( 3 ) القصص : 27 .
( 4 ) بل مروي في كتب الشيعة وأهل السنة ، فقد روى العياشي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال قال علي بن أبي طالب صلوات اللَّه عليه : نزلت المائدة قبل أن يقبض النبي صلَّى اللَّه عليه وآله بشهرين أو ثلاثة ، وفي رواية أخرى عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام مثله .
وعن عيسى بن عبد اللَّه عن أبيه عن جده عن علي عليه السّلام قال : كان القرآن ينسخ بعضه بعضا ، وانما كان يؤخذ من أمر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله بآخره ، فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة فنسخت ما قبلها ، ولم ينسخها شيء . لقد نزلت عليه وهو على بغلته الشهباء ، وثقل عليه الوحي ، حتى وقفت وتدلى بطنها ، حتى رأيت سرتها تكاد تمس الأرض ، وأغمي على رسول اللَّه حتى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجمحي ، ثم رفع ذلك عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله فقرأ علينا سورة المائدة ، فعمل رسول اللَّه وعلمنا .
( انظر العياشي ج 1 ص 288 ، البحار ج 19 ص 69 ، البرهان ج 1 ص 430 ) .
وروى الشيخ في التهذيب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن زرارة قال : سمعته يقول : جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وفيهم علي عليه السّلام فقال : ما تقولون في المسح على الخفين فقام المغيرة بن شعبة فقال : رأيت رسول اللَّه يمسح على الخفين فقال على : قبل المائدة أو بعدها ؟ فقال : لا أدرى فقال علي عليه السّلام : سبق الكتاب الخفين انما نزلت المائدة قبل ان يقبض النبي صلَّى اللَّه عليه وآله بشهرين أو ثلاثة ، انظر التهذيب ص 361 ج 1 ، الرقم 1091 وفي الرقم 1088 و 1092 من حديث أبي عبد اللَّه وأبى جعفر عليهما السلام أيضا حكاية قول علي عليه السلام « سبق الكتاب الخفين » .
واما من طرق أهل السنة ، فقد نقل الشوكاني في عدة روايات بطرق مختلفة تدل على كون المائدة آخر القرآن نزولا ، وفي بعضها « لم تنسخ منها الا آية القلائد » وفي بعضها إلا آية القلائد ، وقوله : « فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ » .
وقد نص المصنف أيضا - رحمه اللَّه - بكونها آخر القرآن نزولا في ص 8 ج 1 من هذه الطبعة ، وسبق منا كلام في ص 18 و 19 من ج 1 فراجع .