إذا تقرر هذا فهنا أحكام : 1 - قيل : الأمر هنا للوجوب ، ولذلك قال داود بوجوب النكاح للقادر على طول حرّة ، ومن لم يقدر فلينكح أمة ، وكذلك المرأة يجب عليها أن تتزوّج عنده وقيل على الكفاية ، وهما ضعيفان لأصالة البراءة ، ولإجماع أكثر الفقهاء على خلافه ولأنّه لو وجب لما خيّر بينه وبين ملك اليمين في قوله : « فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ » ( 1 ) واللازم باطل فكذا الملزوم ، وبيان الملازمة بأنّه لا تخيير بين الواجب والمباح ولا شكّ في إباحة ملك اليمين ، وأنه ليس بواجب عند داود ، ولا يقوم مقام النكاح الواجب عنده ، نعم النكاح قد يجب إذا خشي الوقوع في الزنا كما سيجيء . 2 - النّكاح مستحبّ لمن تاقت نفسه إجماعا ، ومن لم يتق ، قال أكثر الفقهاء باستحبابه أيضا لعموم الآية ، وقوله صلى اللَّه عليه وآله « تناكحوا تكثروا » وقال الشيخ تركه لهذا مستحبّ لقوله تعالى : « سَيِّداً وحَصُوراً » ( 2 ) مدحه على الترك فيكون راجحا وفيه نظر لاحتمال اختصاصه بشرع غيرنا ( 3 ) وقال بعض فقهائنا كلَّما اجتمعت
كنز العرفان في فقه القرآن — صفحة 136
مساهمون: المقداد السيوري
ص١٣٦
هامش
( 1 ) النساء : 3
( 2 ) آل عمران : 39 .
( 3 ) قلت : وفيما أفاده نظر ، وقد أسلفنا لك في مبحث القرعة أن أحكام الشرائع السابقة تتبع ما لم يعلم نسخها ، واستشكل العلامة النائيني قدس سره في استصحاب أحكام الشرائع السابقة بما حاصله :
ان تبدل الشريعة السابقة بالشريعة اللاحقة ، ان كان بمعنى نسخ جميع أحكام الشريعة السابقة بحيث لو كان حكم موافقا لما في الشريعة السابقة كان المجعول في اللاحقة مماثلا للمجعول في السابقة ، لا بقاء له ، فعدم جريان الاستصحاب عند الشك في النسخ واضح ، وان كان بمعنى تبدل بعضها فبقاء الحكم الذي كان في الشريعة السابقة وان كان محتملا الا انه يحتاج إلى الإمضاء في الشريعة اللاحقة ، ولا يمكن إثبات الإمضاء بالاستصحاب الا على القول بالأصل المثبت .
قلت : نفس أدلة الاستصحاب كافية في إثبات الإمضاء ، وليس من الأصل المثبت فإن الأصل المثبت انما هو فيما إذا وقع التعبد بما هو خارج عن مفاد الاستصحاب ، وفي المقام نفس دليل الاستصحاب دليل على الإمضاء ولو تنزلنا فنقول يستدل بانسحاب أحكام الشرائع السابقة بخصوص ما ورد من الأئمة من الاستدلال لحكم بما ورد في القرآن من ثبوته في الشرائع السابقة انظر البرهان ح 2 و 3 تفسير الآية : « إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ » وح 4 و 5 و 6 من تفسير الآية : « فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ » وح 10 تفسير الآية : « وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً » وغيرها من الأحاديث التي استدل الإمام بحكم ثبت في القرآن في الشريعة السابقة .
واستدل الجزائري أيضا في « قلائد الدرر » ج 2 ص 291 بقوله تعالى : « فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ » فالأدلة المذكورة إمضاء لبقاء حكم ما لم نعلم نسخه ، فإن أبيت عن تسمية ذلك استصحابا وقلت إن الأدلة المذكورة تجعلها ممضاة من الشارع ، فلا يكون هناك شك حتى يكون مورد الاستصحاب ، قلنا سمه ما شئت والمقصود انسحاب الأحكام الثابتة في الشرائع السابقة في هذه الشريعة ما لم يعلم نسخه .
فالأقوى في جواب الشيخ ان يقال : ما يستفاد من الآية حسن ذلك ، لا على أرجحيته من المباشرة لمصالح أخر فإن مدح زيد مثلا بكونه صائم النهار قائم الليل ، لا يدل رجحانهما على الإفطار وترك التهجد للاشتغال بما هو أهم .