وفيه : إن نفي التعذيب قبل إتمام الحجة ببعث الرسل لعله كان منّة منه تعالى
على عباده ، مع استحقاقهم لذلك ، ولو سلم اعتراف الخصم بالملازمة بين الاستحقاق والفعلية ، لما صح الاستدلال بها إلاّ جدلاً ، مع وضوح منعه ، ضرورة أن ما شك في وجوبه أو حرمته ليس عنده بأعظم مما علم بحكمه ، وليس حال الوعيد بالعذاب فيه إلاّ كالوعيد به فيه ، فافهم .
شرح
الحكم والتكليف كونه داعياً للعباد إلى العمل بعد وصوله إليهم ، وكذا لم تكن دعواه
أن مفادها التكليف غير الواصل إلى شخص لم يجعل في حقه ، بل جعل في حق من وصل إليه خاصة ; لأنّ هذا الاختصاص في الجعل أمر غير معقول ، حيث إن لازمه أخذ العلم وبيان التكليف في موضوع ذلك التكليف ، ومع ذلك لا يرتبط بالبراءة ، بل المتمسك بها للبراءة يدعي أن المراد من نفي التكليف السؤال عن العمل به والمؤاخذة على مخالفته والمؤاخذة والسؤال عن العمل يكون في حقّ من وصل إليه ذلك التكليف ، وفي هذا المفاد تكون ( ما ) الموصولة مفعولاً به ( وآتاها ) بمعنى أعلمها أو معنى يدخل فيه الاعلام والابلاغ ، والجواب عن هذا الاستدلال يتعين في أمرين ، الأول : أن ظاهر ( آتاها ) بمعنى أقدرها لا أعلمها وهذا المعنى لا يدخل فيه الاعلام ، والثاني : أن عدم السؤال عن تكليف وعدم المؤاخذة على مخالفته مع عدم إعلامه وبيانه تأكيد للبراءة العقلية المعبّر عنها بقبح العقاب بلا بيان ، وقد تقدم أنها لا تفيد في مقابل دعوى الأخباري وصول البيان بأمر الشارع بالتوقف في الشبهات عن الارتكاب والأمر بالاحتياط فيها .
ومما ذكر يظهر أن الآية أظهر في الدلالة على البراءة العقلية من آية ( ما كنّا معذبين ) فإن الأخبار بعدم المؤاخذة تعم كل مكلف بخلاف الآية السابقة فإنها كانت بالإضافة إلى العذاب الدنيوي في الأُمم السابقة .