شرح
على أنّ واضع الألفاظ هو اللّه سبحانه ، إذ يحتمل أن يكون أصل الوضع في أيّ لغة قد حدث قبل التاريخ ، ثمّ كملت تلك اللغة على مرّ العصور نتيجة تطوّر الأفكار وكثرة الحاجات ، كما نرى بالوجدان أنّ المصنوعات والمخترعات الجديدة تُوضع لها الأسماء من غير أن يذكر في التاريخ مَن سمّاها بها ، ومما ذكر يظهر الجواب عن تعذّر وضع أشخاص لغةً جديدة ، فضلا عن شخص واحد .
وقد ذهب سيدنا الأستاذ ( قدس سره ) إلى أنّ وضع الألفاظ في حقيقته تعهّد وقرار من مستعمل اللفظ بأنّه كلّما أتى به أراد تفهيم المعنى الفلاني ، ولا يفرّق في ذلك بين أن يكون التعهّد والقرار ابتدائياً ، أو كان مسبوقاً بالتعهد والاستعمال من الآخرين فيكون مستعمل الألفاظ مع ذلك التعهّد واضعاً ، ولو كانت استعمالاته مسبوقة بالاستعمال من الآخرين ، فإنّ عدم إعراضه عن استعمال السابقين وإقرار اللفظ على ما هو عليه إمضاءٌ للتعهّد والقرار ، فكلّ مستعمل واضع ، غاية الأمر السابق - لسبقه في التعهّد والاستعمال - يطلق عليه الواضع ، وعلى ذلك فما يرى من خطور المعنى إلى الذهن عند سماع اللفظ ولو من غير شاعر فهو ليس من الدلالة الوضعيّة ، بل منشأه أُنس الأذهان لكثرة الاستعمال ( 1 ) .
ولكن لا يخفى أنّه لو كان الأمر كذلك لكان الأُنس حاصلا بين اللفظ وإرادة تفهيم المعنى لا نفسه .
والصحيح أنّ الوضع في الألفاظ عبارة عن جعلها علامات للمعاني ، والغرض من جعل العلامة تفهيمها بها ، فالمعنى هو الموضوع له ومسمّى اللّفظ ، لا أنّ إرادة
هامش
( 1 ) محاضرات في أُصول الفقه : 1 / 45 .