أشاركك فيها ، فافتح فإنّك آمن من ذلك .
فقال له كعب : لعنك اللَّه ، لقد دخلت عليّ من باب دقيق . ثمّ قال : افتحوا له الباب ، ففتحوا ( 1 ) له .
فقال : ويلك ، يا كعب ، انقض العهد الَّذي بينك وبين محمّد ولا تردّ رأيي . فأنّ محمّدا لا يفلت من هذه الجموع ( 2 ) أبدا . فإن فاتك هذا الوقت ، لا تدرك مثله أبدا .
قال : واجتمع كلّ من كان في الحصن من رؤساء اليهود ، مثل : غزال بن شمول ، وياسر بن قيس ، ورفاعة بن زيد ، والَّزبير بن ياطا .
فقال لهم كعب : ما ترون ؟
قالوا : أنت سيّدنا والمطاع فينا ، وأنت صاحب عهدنا . فإن نقضت ، نقضنا . وإن أقمت ، أقمنا معك . وإن خرجت ، خرجنا معك .
فقال الزّبير بن ياطا ، وكان شيخا كبيرا مجرّبا وقد ذهب بصره : قد قرأت التّوراة الَّتي أنزلها اللَّه في سفرنا ، بأنّه يبعث نبيّا في آخر الزّمان يكون مخرجه بمكّة ومهاجرته إلى المدينة في هذه البحيرة ( 3 ) ، يركب الحمار العريّ ويلبس الشّملة ويجتزي بالكسيرات والتّميرات ، وهو الضّحوك القتّال ، في عينيه حمرة ، وبين كتفيه خاتم النّبوة ، يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقاه ، يبلغ سلطانه منقطع الخفّ والحافر . فإن كان هذا هو ، فلا يهولنّه هؤلاء وجمعهم ولو ناوأته هذه الجبال الرّواسي لغلبها .
فقال حيّ : ليس هذا ذاك ، ذاك النّبيّ من بني إسرائيل وهذا من العرب من ولد إسماعيل . ولا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد إسماعيل أبدا ، لأنّ اللَّه قد فضّلهم على النّاس جميعا وجعل لهم النّبوة والملك . وقد عهد إلينا موسى ، أن لا نؤمن لرسول حتّى يأتينا بقربان تأكله النّار . وليس مع محمّد [ صلَّى اللَّه عليه وآله ] آية ، وإنّما جمعهم جمعا وسحرهم ويريد أن يغلبهم بذلك . فلم يزل يقلَّبهم عن رأيهم حتّى أجابوه .
فقال لهم : اخرجوا الكتاب الَّذي بينكم وبين محمّد [ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ] فأخرجوه ، فأخذه حيّ بن أخطب فمزّقه وقال : قد وقع الأمر فتجهّزوا وتهيّئوا للقتال .
وبلغ رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - ذلك ، فغمّه غمّا شديدا وفزع أصحابه .
هامش
1 - هكذا في المصدر . وفي النسخ : ففتح .
2 - المصدر : هذا الجمع .
3 - المصدر : « بالمدينة إلى هذه البحيرة » بدل « إلى المدينة في هذه البحيرة . »