فطرهم على المعرفة .
فقال زرارة : وسألته عن قول اللَّه - عزّ وجلّ - ( 1 ) : وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى .
قال : أخرج من ظهر آدم ذرّيّته إلى يوم القيامة ، فخرجوا كالذّرّ . فعرّفهم وأراهم نفسه . ولولا ذلك لم يعرف أحد ربّه . قال : وقال رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - :
كلّ مولود يولد على الفطرة ، يعني : على المعرفة بأنّ اللَّه - عزّ وجلّ - خالقه . وكذلك قوله ( 2 ) :
ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ .
ذلك : إشارة إلى الدّين المأمور بإقامة الوجه له . أو الفطرة ، إن فسّرت بالملَّة .
« الدِّينُ الْقَيِّمُ » : المستوي ( 3 ) ، الَّذي لا عوج فيه .
« ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 30 ) » : استقامته ، لعدم تدبّرهم .
« مُنِيبِينَ إِلَيْهِ » : راجعين إليه . من أناب : إذا رجع مرّة بعد أخرى .
وقيل ( 4 ) : منقطعين إليه .
والإنابة : الانقطاع إلى اللَّه بالطَّاعة . فأصله على هذا : القطع . ومنه ، النّاب . لأنّه قاطع وينيب في الأمر : إذا نشب فيه ، كما ينشب القاطع .
وهو حال من الضّمير في النّاصب المقدّر « لفطرة اللَّه » . أو في « أقم » لأنّ الآية خطاب للرّسول - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - ولأمّته ، لقوله : « واتَّقُوهُ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 31 ) » : غير أنّها صدّرت بخطاب النّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم - تعظيما له ، يعني : فأقيموا وجوهكم منيبين إليه ، راجعين إلى كلّ ما أمر به ، مع التّقوى وأداء الفرض والإخلاص في التّوحيد .
« مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ » : بدل من « المشركين » ، أي : الَّذين فرقوا عن دينكم .
وقيل ( 5 ) : تفريقهم : اختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم . فبعضهم يعبدونه بطريق ، وبعضهم بطريق آخر .
هامش
1 - الأعراف / 172 .
2 - لقمان / 25 .
3 - م : السويّ .
4 - أنوار التنزيل 2 / 221 .
5 - نفس المصدر والموضع .