أي : لمّا سمع جواب ما طعن به فيه ، ورأى أنّه لم يدع ( 1 ) بذلك ، شرع في الاعتراض على دعواه . فبدأ في الاستفسار عن حقيقة المرسل .
« قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُمَا » :
عرّفه بأظهر خواصّه وآثاره ، لمّا امتنع ( 2 ) تعريف الإفراد ( 3 ) إلَّا بذكر الخواصّ والأفعال . وإليه أشار بقوله :
« إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) » : أي : إن كنتم موقنين الأشياء محقّقين لها ، علمتم أنّ هذه الأجرام ( 4 ) المحسوسة ممكنة ، لتركّبها وتعدّدها وتغيّر أحوالها ، فلها مبدئ واجب لذاته .
وذلك المبدئ ، لا بدّ وأن يكون مبدئا لسائر الممكنات - ما يمكن أن يحسّ بها ، وما لا يمكن - وإلَّا لزم تعدّد الواجب ، أو استغناء بعض الممكنات عنه ، وكلاهما محال . ثمّ ذلك الواجب ، لا يمكن تعريفه إلَّا بلوازمه الخارجيّة ، لامتناع التّعريف بنفسه وبما هو داخل فيه ، لاستحالة التّركيب في ذاته .
وفي أصول الكافي ( 5 ) ، في باب جوامع التّوحيد ، خطبة لأمير المؤمنين - عليه السّلام - .
وفيها يقول - عليه السّلام - : الَّذي سئلت الأنبياء عنه ، فلم تصفه بحدّ ولا ببعض ، بل وصفته بفعاله ودلَّت عليه بآياته .
« قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) » : جوابه ! ؟ سألته عن حقيقته ، وهو يذكر أفعاله ! أو يزعم أنّه ربّ السّموات ، وهي واجبة متحرّكة لذواتها ، كما هو مذهب الدّهريّة .
« قالَ رَبُّكُمْ ورَبُّ آبائِكُمُ الأَوَّلِينَ ( 26 ) » ، عدولا إلى ما لا يمكن أن يتوهّم فيه مثله ، ويشكّ في افتقاره إلى مصوّر حكيم . ويكون أقرب إلى النّاظر وأوضح عند المتأمّل .
« قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) » ، أسأله عن شيء ، ويجيبني عن آخر ! وسمّاه رسولا على السّخرية .
« قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما » : تشاهدون كلّ يوم أنّه يأتي بالشّمس من المشرق ، ويحرّكها على مدار غير مدار اليوم الَّذي قبله ، حتّى يبلغها إلى المغرب
هامش
1 - لم يرعو : لم يكفّ ويرتدع .
2 - كذا في أنوار التنزيل 2 / 156 . وفي النسخ :
وأشار لما أمتنع .
3 - قوله : « الإفراد » هي البسائط إذ هي إفراد لا زوجيّة ولا تعدّد في ذواتها .
4 - ن : الأجسام .
5 - الكافي 1 / 141 ، ح 7 .