غنية عن سقيا السّماء . وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء ، فلا يعوزها الشّرب غالبا ، مع أنّ مساق هذه الآيات ، كما هو للدلالة على عظم القدرة ، فهو لتعداد أنواع النّعمة . والأنعام قنية الإنسان وعامّة منافعهم . وعليّة معايشهم منوطة بها . ولذلك قدّم سقيها على سقيهم ، كما قدّم عليها إحياء الأرض ، فإنّه سبب لحياتها وتعيّشها .
وقرئ ( 1 ) : « نسقيه » بالفتح وسقى وأسقى لغتان .
وقيل ( 2 ) : أسقاه : جعل له سقيا . و « أناسي » بحذف ياء ، وهو جمع إنسيّ أو إنسان - كضرابيّ في ضربان - على أنّ أصله أناسين ، فقلبت النّون ياء .
« ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ » :
قيل ( 3 ) : صرّفنا هذا القول بين النّاس ، في القرآن وسائر الكتب .
وقيل ( 4 ) : أو المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصّفات المتفاوتة من وابل وطلّ وغيرهما ، أو في الأنهار أو في المناقع .
« لِيَذَّكَّرُوا » : ليتفكّروا وليعرفوا كمال القدرة وحقّ النّعمة في ذلك ويقوموا بشكره . أو ليعتبرا بالصّرف عنهم وإليهم .
« فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ( 50 ) » : إلَّا كفران النّعمة وقلَّة الاكتراث لها .
« ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) » : نبيّا ينذر أهلها ، فيخفّ عليك أعباء النّبوّة . لكن قصرنا الأمر عليك ، إجلالا لك وتعظيما لشأنك وتفضيلا لك على سائر الرّسل . فقابل ذلك بالثّبات والاجتهاد في الدّعوة وإظهار الحقّ .
« فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ » ، فيما يريدونك عليه .
وهو تهييج له وللمؤمنين .
« وجاهِدْهُمْ بِهِ » : بالقرآن . أو : بترك طاعتهم الَّذي يدلّ عليه ، « فَلا تُطِعِ » .
والمعنى أنّهم . يجتهدون في إبطال حقّك ، فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم .
« جِهاداً كَبِيراً ( 52 ) » لأنّ مجاهدة السّفهاء بالحجج ، أكبر من مجاهدة الأعداء بالسّيف . أو لأنّ مخالفتهم ومعاداتهم فيما بين أظهرهم ، مع عتوّهم وظهورهم . أو لأنّه جهاد مع كلّ الكفرة ، لأنّه مبعوث إلى كافّة القرى .
هامش
1 - نفس المصدر والموضع .
2 و 3 و 4 - نفس المصدر والموضع .