قريتهم إلى إدريس مشاة حفاة . فأتوه ، حتّى وقفوا بين يديه ، خاضعين له ، طالبين إليه أن يسأل - عزّ وجلّ - أن يمطر السّماء عليهم ، فقال لهم إدريس : أمّا الآن ، فنعم .
فسأل اللَّه - عزّ وجلّ - إدريس عند ذلك أن يمطر السّماء عليهم وعلى قريتهم ونواحيها . فأظلَّتهم سحابة من السّماء . وأرعدت وأبرقت وهطلت عليهم من ساعتهم ، حتّى ظنّوا أنّه الغرق . فما رجعوا إلى منازلهم حتّى أهمّتهم أنفسهم من الماء ( 1 ) .
« ورَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) » :
قيل ( 2 ) : يعني شرف النّبوّة والزّلفى عند اللَّه .
وقيل ( 3 ) : السّماء السّادسة أو الرّابعة .
وفي الكافي ( 4 ) : عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عمرو بن عثمان ، عن مفضّل بن صالح ، عن جابر ، عن أبي جعفر - عليه السّلام - قال : قال رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - : أخبرني جبرئيل - عليه السّلام - أنّ ملكا من الملائكة كانت له عند اللَّه منزلة عظيمة . فتعتّب عليه . فأهبطه ( 5 ) من السّماء إلى الأرض . فأتى إدريس - عليه السّلام - فقال له : إنّ لك من اللَّه منزلة ، فاشفع لي عند ربّك .
فصلَّى ثلاث ليال لا يقصر ( 6 ) . وصام أيّامها لا يفطر . ثمّ طلب إلى اللَّه - عزّ وجلّ - في السّحر في الملك . فقال الملك : إنّك قد أعطيت سؤلك ، وقد أطلق اللَّه جناحي . وأنا أحبّ أن أكافئك . فاطلب إليّ حاجة . فقال : تريني ملك الموت لعلَّي آنس به . فإنّه ليس يهنئني مع ذكره شيء .
فبسط جناحه ثمّ قال : اركب . فصعد به يطلب ملك الموت في السّماء الدّنيا .
فقيل له : اصعد فاستقبله بين السّماء الرّابعة والخامسة . فقال الملك : يا ملك الموت مالي
هامش
1 - أي : خوف أنفسهم أوقعهم في الهموم . أو لم يهتمّهم إلَّا همّ أنفسهم وطلب خالصها . ثمّ اعلم أنّ الظَّاهر أنّ أمره تعالى إدريس ( ع ) بالدّعاء لهم لم يكن على سبيل الحتم والوجوب بل على النّدب والاستحباب ، وكان غرضه ( ع ) في التّأخير وفي طلب القوم أن يأتوه متذلَّلين تنبيههم وزجرهم عن الطَّغيان والفساد لئلَّا يخالفوا ربّهم بعد دخوله بينهم ، وأنّ أولياء اللَّه يغضبون لربّهم أكثر من سخطه تعالى لنفسه لسعة رحمته وعظم حلمه تعالى شأنه . ( قاله في البحار )
2 و 3 - أنوار التنزيل 2 / 37 .
4 - الكافي 3 / 257 ، ح 26 .
5 - المصدر : فأحبط .
6 - المصدر : لا يفطر . والصحيح : لا يفتر .