ويمكننا أن نستشفّ من هذا النصّ عدّة أشياء :
1 - أنّ الخليفة عمر بن الخطاب عبّر بقوله : " عمّا تعرفون إلى ما
تنكرون " ، ولم يقل : " عمّا نعرفه إلى ما ننكره " ففي هذا إشارة للبصيرة ،
فتأمّل .
2 - إنّ في سكوت المسلمين ، بعد تكراره قوله ثلاث مرّات لدلالة
واضحة على سياسة العنف ، والاضطهاد الفكري التي مارسها الخليفة الثاني
في حقّ الصحابة ، وهذا يتماشى مع ما قدمنا من حبسه للصحابة عنده في
المدينة ، ومنعه إيّاهم من التحديث ، والتدوين .
3 - اتّضاح للموقف الصّريح لاتباع نهج التعبّد ، وأنّهم لم ، ولن يرتضوا
الإتيان بأحكام مبناها الإجتهاد والرأي ، وأنّهم متمسكون " بما يعرفون "
من كتاب الله وسنّة نبيّه دون ما ينكرون من الرأي والاجتهاد .
4 - إن مفهوم الاستتابة في حالة الانحراف عن الدين ، ثم قتل المنحرف
عند عدم توبته ، هو مفهوم إسلامي لنهج السنّة والتعبُّد ، لا يؤوّل ولا يقول :
" تأوّل فأخطأ " ولا يختلق الأعذار في سبيل تصحيح أغلاط وسقطات
الآخرين ، وهذا المفهوم هو الّذي طبّقه المسلمون من بعد على عثمان ، فتركوه
ورجعوا عنه حين أعلن توبته عن إحداثاته في الدين ، ثم رجعوا إليه فقتلوه
حين أصرّ على إحداثاته وأمر بقتل أتباع نهج التعبد ، وقد جاء في كلام
بعض الكتّاب بأنّه لو قدّر أن يطول الزمان بعمر لقتله المسلمون كما قتلوا
عثمان من بعد .
فالخليفة وتحاشياً لوقوع الخلافة بيد أتباع السنّة والتعبّد جعل كلام
من حياة الخليفة عمر بن الخطاب — صفحة 537
مساهمون: عبد الرحمن أحمد البكري
ص٥٣٧