وجوب الطاعة في الدنيا والمحسن على بصيرة من الأمر في حياته يأتي بواجب العمل ويتزود من يومه لغده بخلاف المسئ العائش في عمى وضلال فليسا بمتساويين .
قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
إلى آخر الآية ظاهر السياق أن قوله :
« أَ فَرَأَيْتَ »
مسوق للتعجيب أي ألا تعجب ممن حاله هذا الحال ؟
والمراد بقوله :
« اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ »
حيث قدم
« إِلهَهُ »
على
« هَواهُ »
أنه يعلم أن له إلها يجب أن يعبده - وهو اللّه سبحانه - لكنه يبدله من هواه ويجعل هواه مكانه فيعبده فهو كافر باللّه سبحانه على علم منه ، ولذلك عقبه بقوله :
« وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ »
أي إنه ضال عن السبيل وهو يعلم .
ومعنى اتخاذ الإله العبادة والمراد بها الإطاعة فإن اللّه سبحانه عدّ الطاعة عبادة كما في قوله :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي
( يس / 61 ) ، وقوله :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
( التوبة / 31 ) ، وقوله :
وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
( آل عمران / 64 ) .
والاعتبار يوافقه إذ ليست العبادة إلا إظهار الخضوع وتمثيل أن العابد عبد لا يريد ولا يفعل إلا ما أراده ورضيه معبوده فمن أطاع شيئا فقد اتخذه إلها وعبده فمن أطاع هواه فقد اتخذ إلهه هواه ولا طاعة إلا للّه أو من أمر بطاعته .
فقوله :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
أي ألا تعجب ممن يعبد هواه بإطاعته واتباعه وهو يعلم أن له إلها غيره يجب أن يعبده ويطيعه لكنه يجعل معبوده ومطاعه هو هواه .
وقوله :
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
أي هو ضال بإضلال منه تعالى يضله به مجازاة لاتباعه الهوى حال كون إضلاله مستقرا على علم هذا الضال ، ولا ضير في اجتماع الضلال مع العلم بالسبيل ومعرفته كما في قوله تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
( النمل / 14 ) ، وذلك أن العلم لا يلازم الهدى ولا الضلال يلازم الجهل بل الذي يلازم الهدى هو العلم مع