تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 677

مساهمون:

ص٦٧٧
فالفريقان لا يتساويان في الحياة ولا في الممات . قوله تعالى :
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
الظاهر أن المراد بالسماوات والأرض مجموع العالم المشهود والباء في
« بِالْحَقِّ »
للملابسة فكون خلق العالم بالحق كونه حقا لا باطلا ولعبا وهو أن يكون لهذا العالم الكائن الفاسد غاية ثابتة باقية وراءه . وقوله :
وَلِتُجْزى
الخ ؛ عطف على
« بِالْحَقِّ »
والباء في قوله :
« بِما كَسَبَتْ »
للتعدية أو للمقابلة أي لتجزى مقابل ما كسبت إن كان طاعة فالثواب وإن كان معصية فالعقاب ، وقوله :
« وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
حال من كل نفس أي ولتجزي كل نفس بما كسبت بالعدل . فيئول معنى الآية إلى مثل قولنا وخلق اللّه السماوات والأرض بالحق وبالعدل فكون الخلق بالحق يقتضي أن يكون وراء هذا العالم عالم آخر يخلد فيه الموجودات وكون الخلق بالعدل يقتضي أن تجزى كل نفس ما تستحقه بكسبها فالمحسن يجزى جزاء حسنا والمسئ يجزى جزاء سيئا وإذ ليس ذلك في هذه النشأة ففي نشأة أخرى . وبهذا البيان يظهر إن الآية تتضمن حجتين على المعاد إحداهما ما أشير اليه بقوله :
« وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ »
ويسلك من طريق الحق ، والثانية ما أشير اليه بقوله :
« وَلِتُجْزى »
الخ ؛ ويسلك من طريق العدل . فتئول الحجتان إلى ما يشتمل عليه قوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
( ص / 28 ) . والآية بما فيها من الحجة تبطل حسبانهم أن المسئ كالمحسن في الممات فإن حديث المجازاة بالثواب والعقاب على الطاعة والمعصية يوم القيامة ينفي تساوي المطيع والعاصي في الممات ، ولازم ذلك إبطال حسبانهم أن المسئ كالمحسن في الحياة فإن ثبوت المجازاة يومئذ يقتضي