تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
مسرفين لا يمنعنا من إجراء سنّة الهداية من طريق الوحي فإنا كثيرا ما أرسلنا من نبي في الأمم الماضين والحال أنه ما يأتيهم من نبي إلا استهزءوا به وانجرّ الأمر إلى أن أهلكنا من أولئك من هو أشد بطشا منكم . فكما كانت عاقبة إسرافهم واستهزائهم الهلاك دون الصرف فكذلك عاقبة اسرافكم ففي الآيات الثلاث كما ترى وعد للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ووعيد لقومه . قوله تعالى :
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
قال الراغب : البطش تناول الشيء بصولة . انتهى وفي الآية التفات في قوله :
« مِنْهُمْ »
من الخطاب إلى الغيبة ، وكأن الوجه فيه العدول عن خطابهم إلى خطاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لعدم اعتبارهم بهذه القصص والعبر وليكون تمهيدا لقوله بعد :
« وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ »
ويؤيده قوله بعد :
« وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ »
خطابا للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ومعنى قوله :
« وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ »
ومضى في السور النازلة قبل هذه السورة من القرآن وصف الأمم الأولين وأنه كيف حاق بهم ما كانوا به يستهزءون . قوله تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
في الآية وما يتلوها إلى تمام ست آيات احتجاج على ربوبيته تعالى وتوحده فيها مع إشارة ما إلى المعاد وتبكيت لهم على اسرافهم مأخوذ من اعترافهم بأنه تعالى هو خالق الكل ثم الأخذ بجهات من الخلق هي بعينها تدبير لأمور العباد كجعل الأرض لهم مهدا وجعله فيها سبلا وانزال الأمطار فينتج أنه تعالى وحده مالك مدبر لأمورهم فهو الرب لا رب غيره . وبذلك تبين أن الآية تقدمة وتوطئة لما تتضمنه الآيات التالية من الحجة وقد تقدم في هذا الكتاب مرارا أن الوثنية لا تنكر رجوع الصنع والايجاد اليه تعالى وحده وانما تدعي رجوع أمر التدبير إلى غيره . قوله تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ