تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
كما هو كذلك بعد جعله قرآنا عربيا كما استفدناه من قوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
( هود / 1 ) . وهذا النعتان أعني كونه عليا حكيما هما الموجبان لكونه وراء العقول البشرية فإن العقل في فكرته لا ينال إلا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ أولا وكان مؤلفا من مقدمات تصديقية يترتب بعضها على بعض كما في الآيات والجمل القرآنية ، وأما إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ وكان غير متجزّ إلى أجزاء وفصول فلا طريق للعقل إلى نيله . فمحصّل معنى الآيتين : أن الكتاب عندنا في اللوح المحفوظ ذو مقام رفيع وإحكام لا تناله العقول لذينك الوصفين وإنما أنزلناه بجعله مقروّا عربيا رجاء أن يعقله الناس . قوله تعالى :
أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ
الاستفهام للإنكار ، والفاء للتفريع على ما تقدم ، وضرب الذكر عنهم صرفه عنهم . قال في المجمع : وأصل ضربت عنه الذكر أن الراكب إذا ركب دابة فأراد أن يصرفه عن جهة ضربه بعصا أو سوط ليعدل به إلى جهة أخرى ثم وضع الضرب موضع الصرف والعدل . انتهى . والصفح بمعنى الإعراض فصفحا مفعول له ، واحتمل أن يكون بمعنى الجانب
« أَنْ كُنْتُمْ »
محذوف الجار والتقدير لأن كنتم وهو متعلق بقوله :
« أَ فَنَضْرِبُ »
. والمعنى : أفنصرف عنكم الذكر - وهو الكتاب الذي جعلناه قرآنا لتعقلوه - للإعراض عنكم لكونكم مسرفين أو أفنصرفه عنكم إلى جانب لكونكم مسرفين أي إنا لا نصرفه عنكم لذلك . قوله تعالى :
وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
« كَمْ »
للتكثير ، والأولون هم الأمم الدارجة و
« ما يَأْتِيهِمْ »
الخ ؛ حال والعامل فيها
« أَرْسَلْنا »
. والآيتان وما يتلوهما في مقام التعليل لعدم صرف الذكر عنهم ببيان أن كونكم قوما