تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
وقوله :
وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
أي ومن كان يريد النتائج الدنيوية بأن يعمل للدنيا ويريد نتيجة ما عمله فيها دون الآخرة نؤته من الدنيا وما له في الآخرة نصيب ، وفي التعبير بإرادة الحرث إشارة إلى اشتراط العمل لما يريده من الدنيا والآخرة كما قال تعالى :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
( النجم / 39 ) . وقد ابهم ما يعطيه من الدنيا إذ قال :
« نُؤْتِهِ مِنْها »
إشارة إلى أن الأمر إلى المشية الإلهية فربما بسطت الرزق وربما قدرت كما قال تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
( الإسراء / 18 ) . والمحصل من معنى الآيتين : أن اللّه سبحانه لطيف بعباده جميعا ذو قوة مطلقة وعزّة مطلقة يرزق عباده على حسب مشيته وقد شاء في من أراد الآخرة وعمل لها أن يرزقه منها ويزيد فيه ، وفيمن أراد الدنيا وعمل لها فحسب أن يؤتيه منها وما له في الآخرة من نصيب . ويظهر من ذلك أن الآية الأولى عامة تشمل الفريقين ، والمراد بالعباد ما يعم أهل الدنيا والآخرة ، وكذا الرزق وأن الآية الثانية في مقام تفصيل ما في قوله :
« يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ »
من الإجمال . قوله تعالى :
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ
إلى آخر الآية لما بين أن اللّه سبحانه هو الذي أنزل الكتاب بالحق وشرع لهم الدين الذي هو ميزان أعمالهم وأنه بلطفه وقوته وعزته يرزق من أراد الآخرة وعمل لها ما أراده منها ويزيد ، وأن من أراد الدنيا ونسي الآخرة لا نصيب له فيها سجّل على من كفر بالآخرة عدم النصيب فيها بإنكار أن لا دين غير ما شرعه اللّه يدين به هؤلاء حتى يرزقوا بالعمل به مثل ما يرزق أهل الإيمان بالآخرة فيها إذ لا شريك للّه حتى يشرع دينا غير ما شرعه اللّه من غير إذن منه تعالى فلا دين إلا للّه ولا يرزق في الآخرة رزقا حسنا إلا من آمن بها وعمل لها .