فكثير اليأس والقنوط لما يرى من سقوط الأسباب التي كان يستند إليها ، وهذا لا ينافي تعلق رجائه إذ ذاك باللّه سبحانه كما سيأتي .
قوله تعالى :
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي
الخ ؛ الأصل بالنظر إلى مضمون الآية السابقة أن يقال : وإن ذاق خيرا قال : هذا لي لكن بدّل ذاق من
« أَذَقْناهُ »
و
« الْخَيْرِ »
من قوله :
« رَحْمَةً مِنَّا »
ليدل على أن الخير الذي ذاقه هو رحمة من اللّه أذاقه إياها وليس بمصيبة برأسه ولا هو يملكه ولو كان يملكه لم ينفك عنه ولم يمسسه الضراء ، ولذا قيد قوله :
« وَلَئِنْ أَذَقْناهُ »
الخ ؛ بقوله :
« مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ »
.
وقوله :
لَيَقُولَنَّ هذا لِي
أي أنا أملكه فلي أن أفعل فيه ما أشاء وأتصرف فيه كيف أريد ، فليس لأحد أن يمنعني من شيء منه أو يحاسبني على فعل ، ولهذا المعنى عقبه بقوله :
« وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً »
فإن الساعة هي يوم الحساب .
وقوله :
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
أي للمثوبة الحسنى أو للعاقبة الحسنى ، وهذا مبني على ما يراه لنفسه من الكرامة واستحقاق الخير كأنه يقول : ما ملكته من الخير لو كان من اللّه فإنما هو لكرامة نفسي عليه وعلى هذا فإن قامت الساعة ورجعت إلى ربي كانت لي عنده العاقبة الحسنى .
فالمعنى : وأقسم لئن أذقنا الإنسان رحمة هي منا ولا يستحقها ولا يملكها فأذقناها من بعد ضراء مسته وذلك يدله على أنه لا يملك ما أذيقه نسي ما كان من قبل وقال : هذا لي - يشير إلى شخص النعمة ولا يسميها رحمة - وليس لأحد أن يمنعني عما أفعل فيه ويحاسبني عليه وما أظن الساعة - وهي يوم الحساب - قائمة ، وأقسم لئن رجعت إلى ربي وقامت ساعة كانت لي عنده العاقبة الحسنى لكرامتي عليه كما أنعم عليّ من النعمة .
والآية نظيرة قوله في قصة صاحب الجنة :
ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
( الكهف / 36 ) وقد تقدم بعض