فمنع العلم القطعي بمفسدة شيء منعا قطعيا عن صدوره عن العالم به كمنع العلم بأثر السم عن شربه لا ينافي كون العالم بذلك مختارا في الفعل لصحة صدوره ولا صدوره عن جوارحه فالعصمة لا تنافي بوجه التكليف .
وقوله :
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
ظهر معناه مما تقدم ويمكن أن يكون اللام في الخاسرين مفيدا للعهد ، والمعنى ولتكونن من الخاسرين الذين كفروا بآيات اللّه وأعرضوا عن الحجج الدالة على وحدانيته .
قوله تعالى :
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
إضراب عن النهي المفهوم من سابق الكلام كأنه قيل : فلا تعبد غير اللّه بل اللّه فاعبد ، وتقديم اسم الجلالة للدلالة على الحصر .
والفاء في
« فَاعْبُدْ »
زائدة للتأكيد على ما قيل ، وقيل : هي فاء الجزاء وقد حذف شرطه والتقدير بل إن كنت عابدا أو عاقلا فاعبد اللّه .
وقوله :
وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
أي وكن بعبادتك له من الذين يشكرونه على نعمه الدالة على توحده في الربوبية والألوهية ، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى :
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
( آل عمران / 144 ) وقوله :
وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
( الأعراف / 17 ) أن مصداق الشاكرين بحقيقة معنى الكلمة هم المخلصون بفتح اللام فراجع .
قوله تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
إلى آخر الآية قدر الشيء هو مقداره وكميته من حجم أو عدد أو وزن وما أشبه ذلك ثم استعير للمعنويات من المكانة والمنزلة .
فقوله :
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
تمثيل أريد به عدم معرفتهم به تعالى واجب المعرفة إذ لم يعرفوه من حيث المعاد ورجوع الأشياء اليه كما يدل عليه تعقيب الجملة بقوله :
« وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
إلى آخر السورة حيث ذكر فيه انقطاع كل سبب دونه يوم القيامة ، وقبضه الأرض وطيه السماوات ونفخ الصور لإماتة الكل ثم لإحيائهم وإشراق الأرض بنور