فوت الإنسان منه وهو أقرب اليه من نفسه ؟ أو من ملائكته المكرمين الذين يأخذون الأمر منه تعالى من غير حاجب يحجبهم عنه أو واسط يتوسط بينه وبينهم .
فقوله :
وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ
نوع تمثيل لقربه تعالى من الإنسان بحسب ما نتصوره من معنى القرب لاحتباسنا في سجن الزمان والمكان وأنسنا بالأمور المادية وإلّا فالأمر أعظم من ذلك .
قوله تعالى :
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
التناوش التناول وضمير
« بِهِ »
للقرآن على ما يعطيه السياق .
والمراد بكونهم في مكان بعيد أنهم في عالم الآخرة وهي دار تعين الجزاء وهي أبعد ما يكون من عالم الدنيا التي هي دار العمل وموطن الاكتساب بالاختيار وقد تبدل الغيب شهادة لهم والشهادة غيبا كما تشير اليه الآية التالية .
قوله تعالى :
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
حال من الضمير في
« وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ »
والمراد بقوله :
« وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ »
رميهم عالم الآخرة وهم في الدنيا بالظنون مع عدم علمهم به وكونه غائبا عن حواسهم إذ كانوا يقولون : لا بعث ولا جنة ولا نار ، وقيل : المراد به رميهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالسحر والكذب والافتراء والشعر .
والعناية في إطلاق المكان البعيد على الدنيا بالنسبة إلى الآخرة نظيرة إطلاقه على الآخرة بالنسبة إلى الدنيا وقد تقدمت الإشارة اليه .
ومعنى الآيتين : وقال المشركون حينما أخذوا آمنّا بالحق الذي هو القرآن وأنّى لهم تناول الإيمان به - إيمانا يفيد النجاة - من مكان بعيد وهو الآخرة والحال أنهم كفروا به من قبل في الدنيا وهم ينفون أمور الآخرة بالظنون والأوهام من مكان بعيد وهو الدنيا .
قوله تعالى :
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ