ردع عن نوع من خشية اللّه وهي خشيته عن طريق الناس وهداية إلى نوع آخر من خشيته تعالى وأنه كان من الحري أن يخشى اللّه دون الناس ولا يخفي ما في نفسه ما اللّه مبديه وهذا نعم الشاهد على أن اللّه كان قد فرض له أن يتزوج زوج زيد الذي كان تبناه ليرتفع بذلك الحرج عن المؤمنين في التزويج بأزواج الأدعياء وهو صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يخفيه في نفسه إلى حين مخافة سوء أثره في الناس فأمنه اللّه ذلك بعتابه عليه نظير ما تقدم في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
- إلى قوله -
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
الآية .
فظاهر العتاب الذي يلوح من قوله :
« وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ »
مسوق لانتصاره وتأييد أمره قبال طعن الطاعنين ممن في قلوبهم مرض نظير ما تقدم في قوله :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
( التوبة / 43 ) .
ومن الدليل على أنه انتصار وتأييد في صورة العتاب قوله بعد :
« فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها »
حيث أخبر عن تزويجه إياها كأنه أمر خارج عن إرادة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واختياره ثم قوله :
« وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا »
.
فقوله :
« فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها »
متفرع على ما تقدم من قوله :
« وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ »
وقضاء الوطر منها كناية عن الدخول والتمتع ، وقوله :
« لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً »
تعليل للتزويج ومصلحة للحكم ، وقوله :
« وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا »
مشير إلى تحقق الوقوع وتأكيد للحكم .
ومن ذلك يظهر أن الذي كان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يخفيه في نفسه هو ما فرض اللّه له أن يتزوجها لا هواها وحبه الشديد لها وهي بعد مزوجة كما ذكره جمع من المفسرين واعتذروا عنه بأنها حالة جبليّة لا يكاد يسلم منها البشر ، فإن فيه أولا : منع أن يكون بحيث لا يقوى عليه التربية الإلهية ، وثانيا : أنه لا معنى حينئذ للعتاب على كتمانه وإخفائه في نفسه فلا مجوّز في الإسلام لذكر حلائل الناس والتشبب بهن .